قراءة جلالة الملك عبدالله الثاني للمشهد الاقليمي، ومشهد الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، تستحق التوقف، كونها تجيء من قيادي بارز، صاحب رؤية متفائلة، وخبرة واسعة، وقدرة على استشراف الاوضاع والوصول الى النتائج..

ومن هنا فتشاؤم جلالته، ورؤيته بأن هذا العام سيكون سيئاً للسلام، مبنيان على حقائق واضحة، لا تحتمل التأويل، وأبرزها المناخ السياسي في اسرائيل، والذي يزداد تشدداً ما جعل من حكومتها اليمينية المتطرفة غير قادرة على تقديم تنازلات، اضافة الى ان الاميركيين أنفسهم مهتمون فقط بأمورهم الداخلية، معرباً جلالته عن خشيته من أن تفقد واشنطن مصداقيتها، بعد سلسلة الاخفاقات التي منيت بها في سعيها لتحقيق السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين.

وفي هذا السياق، فان تحذيرات جلالة الملك هي ايضاً رسالة للمجتمع الدولي كله، والى الرباعية، وعواصم القرار في العالم بأن تلتقط اللحظة الحاسمة، وتعمل على نزع فتيل الالغام، من خلال العمل على اعادة استئناف المفاوضات بين الفلسطينيين واسرائيل، كسبيل وحيد لتحقيق الامن والسلام، وتحرير المنطقة كلها من الارتهان للاحتلال والارهاب والقرصنة الصهيونية..

ان حديث جلالة الملك لصحيفة الواشنطن بوست، وهو يؤشر على أهم مفاصل المرحلة، ويلتقط الخطوط العريضة للمستقبل، يؤكد ايمان جلالته المطلق بالسلام الشامل الدائم، وايمانه بضرورة العمل على تحقيق هذا السلام لانقاذ المنطقة وشعوبها من حالة عدم الاستقرار والخوف التي تعيشها، وأدت الى فشل مشاريع التنمية في المنطقة.

ومن ناحية اخرى، فان جلالة الملك من خلال هذا الحديث وجه رسالة الى اسرائيل بضرورة الالتزام بشروط واشتراطات السلام اذا أرادت ان تعيش بأمن في المنطقة، محذرا في الوقت نفسه من فشل الاعتماد على القوة الباغية، ومؤكدا وبلغة الحقائق التي لا تخدع بأن فشل حل الدولتين سيؤدي الى احتمال حل الدولة الواحدة، استنادا الى حقيقة الديمغرافيا، وهي التجربة التي عاشتها جنوب افريقيا، وأدت في النهاية الى فوز السود بالحكم، كونهم الاغلبية، ما وضع نهاية للتمييز العنصري والتطهير العرقي الذي مارسته حكومات البيض خلال العهد البائد.

مجمل القول: ان تحذيرات جلالة الملك الى المجتمع الدولي، والى جميع المعنيين بالسلام، تؤكد ان المنطقة على حافة الانفجار، بفعل العدوان الصهيوني المستمر، والمتمثل في استمرار الاستيطان والتهويد والترانسفير، وان لا سبيل لانقاذ المنطقة والسلم العالمي، الا بالضغط على العدو الصهيوني، واجباره على الالتزام بقرارات الشرعية الدولية، والكف عن انتهاك القانون الدولي، والانسحاب من كافة الاراضي العربية المحتلة، واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على كامل التراب الوطني الفلسطيني، وفي حدود الرابع من حزيران 1967، وعاصمتها القدس الشريف وعودة اللاجئين.
«إنه الرائد الذي لا يخذل شعبه وأمته».