هنالك فيض من التقارير الإعلامية والدراسات التحليلية التي تحاول استقراء مستقبل الدول العربية بعد بداية ما سمي "الربيع العربي" والذي تمثل في تحركات احتجاجية شعبية وصلت إلى مرحلة الثورات في بعض البلدان ومواجهات عنيفة مع السلطة في دول أخرى وحركات شعبية متتالية في الشارع من أجل التسريع في وتيرة مسارات الإصلاح السياسي التي بدأت منذ فترة ما قبل الاحتجاجات وخاصة في الأردن والمغرب والجزائر. ومع أن معظم التوقعات تشير إلى ظهور فجر عربي جديد يتميز بالمزيد من المشاركة الشعبية في صناعة القرارات السياسية والاقتصادية، والتخفيف من غلواء السطوة الأمنية على مختلف مناحي الحياة في الدول العربية، والتوجه الجدي نحو مكافحة الفساد وتحسين حريات الإعلام والتعبير فإن هذه التحولات العربية تبقى مفتوحة على جميع الاحتمالات.

مسارات الحركات الشعبية في العالم العربي حددتها وبشكل اساسي استجابات السلطة في تلك الدول، فالتغيير في الأنظمة الذي تم في تونس ومصر مثلا جاء بضغط كبير من الشارع العربي أدى إلى "انسحاب" السلطة السابقة من الميدان بعد دور إيجابي من المؤسسة العسكرية في البلدين وبالتالي انتقلت الدولتان إلى مرحلة جديدة يسودها الأمل والترقب معا. أما في الدول التي اختارت فيها الأنظمة السياسية استخدام الخيار الأمني والقمع فقد اتجهت الحركات الشعبية نحو العنف وظهور نزعات طائفية وصراعات أهلية وأحيانا تقسيم في الوحدة الجغرافية للبلاد. وفي المقابل تمكنت الأنظمة السياسية التي استوعبت الرسالة الشعبية بهدوء وسعة صدر من تحقيق نقلة نوعية على مستوى التشريعات والسياسات المؤدية إلى الإصلاح السياسي بدون دفع تكلفة باهظة من العنف والضحايا.

لا مناص أمام السلطات الرسمية في كل العالم العربي من منح الشعوب الحريات التي هي من حقهم كمواطنين في القرن الحادي والعشرين يتوقون إلى توسعة نطاق الحريات الشخصية والسياسية والمشاركة الفعالة في اتخاذ القرارات ورفض الفساد والمحسوبية وغيرها من الأمراض الإدارية والسياسية التي اجتاحت العالم العربي في سياق غياب المساءلة الفعالة والمشاركة الشعبية المؤثرة. كلما أمعنت بعض الأنظمة في رفض هذا التغيير ومقاومته بالعنف والدعاية الإعلامية البائدة وغير المقنعة كلما كانت الكلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية باهظة وربما تصل إلى مستوى التغيير في جغرافيا وتركيبة هذه الدول.

يعمل الأردن بقيادة الملك عبدالله الثاني على تقديم نموذج إيجابي في قيادة التغيير الإصلاحي، وهذا ما أكدت عليه عدة وسائل إعلام أجنبية وعربية وكذلك التحليلات السياسية الرصينة حيث فتحت رؤية جلالة الملك الباب واسعا أمام تعظيم المشاركة الشعبية من خلال تقوية الأحزاب وتطوير قانون وتطبيقات الانتخابات النيابية من أجل الوصول في المستقبل إلى حكومات نيابية منتخبة، وهذا هو الإعلان الصريح الأول في العالم العربي عن التوجه لتشكيل مثل هذه الحكومات.

في كل أسبوع تتقدم الشعوب العربية مرة أخرى من هدفها الإستراتيجي في الحريات العامة والديمقراطية والمشاركة في الحكم، ولكن الكلفة تختلف من مكان لآخر حسب اختلاف انفتاح وحكمة الأنظمة السياسية. السبيل الوحيد المتاح أمام السلطات الرسمية في العالم العربي هو التوافق مع الشعوب ودعم التوافق بين مكونات القوى السياسية في الدول العربية من أجل الوصول إلى خارطة طريق للإصلاح السياسي تستجيب لخصائص كل دولة عربية وتقوي من استقرار وأمن تلك الدول، أما اللجوء إلى العنف والحلول الأمنية فهو الخيار الذي لن يجلب إلا النتائج السلبية.