كنت آليت على نفسي أن أراقب الوضع الحكومي المستجد من دون أن اتخذ موقفاً منه لا سلباً ولا إيجاباً افساحاً في المجال ليعرف الناس والرأي العام عن الوزراء الجدد (خيرهم من شرِّهم)، كما يُقال في العامية، لكن ما استفزني، والمؤكد انه استفز الرأي العام هو خروج بعض الوزراء على الأصول واللياقات فبدأوا بإطلاق العنان لتصريحاتهم وآرائهم ومواقفهم حتى قبل أن تُلتَقَط الصورة التذكارية للحكومة، وحتى قبل لجنة صياغة البيان الوزاري وحتى قبل نيل الحكومة الثقةّ!
فهذا وزير يُصرِّح وكأنه يُلقي محاضرة في الإصلاح إلى درجة أن سامعه يعتقد بأنه موجود في الوزارة منذ أعوام وليس منذ ساعات.
الوزارة تشكلت بعد ظهر الإثنين وما كاد الوزراء الجدد يطلعون على أسمائهم حتى بدأوا بأمرين:
تقبُّل التهاني وإطلاق المفرقعات النارية ابتهاجاً، والمباشرة بإطلاق التصريحات الصحافية عن مشاريعهم المستقبلية:
الخطوتان متخلفتان، فعلى ماذا التهنئة؟
ما هو الإنجاز الذي تحقق والذي يستدعي التهنئة والإبتهاج؟
هل لأن تشكيل الحكومة تأخر خمسة أشهر؟
أما التصريحات الصحافية فعلى أي أساس تُعطى؟
ماذا يعرف الوزير عن ملفات وزارته ليُدلي بما يُدلي به؟
يا حضرات المعالي، قليلاً من احترام الناس والرأي العام، لماذا تسيرون عكس السير. إن منطق الأمور يقول بأن تبقوا صامتين إلى حين دخولكم ثم اطلاعكم على الملفات ثم اجتماعكم مع المدراء العامين للإطلاع على حقيقة الأمور، وبعدها يمكنكم مباشرة العمل لا التلهي بإعطاء الأحاديث الصحافية التي شبع منها اللبننانيون على رغم انها في حقيقة الأمر لا تُشبع على الإطلاق.
إذا كانت هذه هي البداية فإنها وللأسف الشديد لا تُشجِّع على الإطلاق، على السادة الوزراء ولا سيما الجدد منهم أن يُدرِكوا ان الشعب اللبناني له بذمتهم خمسة أشهر، وبدلاً من أن يتلهوا بالإدلاء بالتصريحات ونشر المواعظ، لماذا لا يتوجهون إلى العمل مباشرة ولا سيما العمل الصامت، عليهم بداية أن يدرسوا ملفاتهم ويقدِّموا مقترحاتهم ويجعلون الناس يتحسسون أن هناك فعلاً عملاً حكومياً جاداً وليس مسألة (عراضات) تنم عن عدم جدية وعدم تعمق في الأمور.
إن الشعب اللبناني تعب تعباً شديداً من المماحكات ومن العراضات ومن العنتريات، وهو بحاجة إلى إنجازات وليس إلى مطولات إعلامية، ولذا فإنه سيكون بالمرصاد للوزراء الجدد فلا ينتظر أن يحاسبهم النواب، بل سيحاسبهم يومياً من خلال الرأي العام، فإذا أصابوا سيقول عنهم إنهم أصابوا، وإذا أخطأوا فبالتأكيد سيتحدث عن أخطائهم.
بهذا النمط تستقيم الأمور. وبغير ذلك سنبقى في جمهورية الثرثرة والكلام الذي لا طائل منه.