لترسيخ العمل الشوروي واتخاذ قرارات مناسبة حول ما يستجد من خطط ودراسات أو يعترض مسيرة العمل الاقتصادي والتنموي والاجتماعي والثقافي والعلمي، جاءت فكرة إنشاء المجالس والبرلمانات لتوسيع دائرة المشاركة في وضع الرؤى والأفكار والدراسات والمناقشات، ومن ثم الخروج بتوصيات أو قرارات تتلاءم مع هذه المستجدات وموضوع الدراسة أو الخطط، ما يجنب حصول أخطاء عند اتخاذ القرارات.

ومن هنا جاءت الرؤية السديدة لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ بإنشاء مجلس عُمان المكوَّن من مجلسي الدولة والشورى بموجب المرسوم السلطاني رقم (86/1997م) توسيعًا لقاعدة المشاركة في الرأي بما يؤدي إلى الاستفادة من خبرات أهل العلم وذوي الاختصاص، ويسهم في تنفيذ استراتيجية التنمية الشاملة وخدمة الصالح العام. ومنذ رؤية مجلس عمان النور، اضطلع مجلسا الدولة والشورى بدورهما كل في مجال اختصاصه.

إن ما يضطلع به مجلس الدولة محسوس وملموس، حيث يقوم المجلس بإعداد الدراسات التي تسهم في تنفيذ خطط وبرامج التنمية، والتي تساعد في إيجاد الحلول المناسبة للمعوقات الاقتصادية والاجتماعية، وتقديم المقترحات المتعلقة بتشجيع الاستثمار وبالإصلاح الإداري وتحسين الأداء، ومراجعة مشروعات القوانين واقتراح التعديلات حولها قبل إشهارها، وبعد إحالتها إليه من مجلس الشورى ويقدم المجلس توصياته في هذا الشأن إلى مجلس الوزراء. كما يدرس المجلس ما يحيله إليه جلالة السلطان المعظم أو مجلس الوزراء من الموضوعات وإبداء الرأي فيها، ويرفع مجلس الدولة نتائج دراساته ومقترحاته وتوصياته إلى جلالة السلطان المعظم أو إلى مجلس الوزراء حسب مقتضيات الأحوال.

 كما يرفع رئيس مجلس الدولة إلى جلالة السلطان المعظم تقريرًا سنويًّا بنتائج أعمال المجلس، ويضم المجلس في عضويته كلًّا من الوزراء ووكلاء الوزارات السابقين ومن في حكمهم والسفراء السابقين وكبار القضاة السابقين وكبار الضباط المتقاعدين المشهود لهم بالكفاءة والخبرة في مجالات العلم والأدب والثقافة وأساتذة الجامعة والكليات والمعاهد العليا، والأعيان ورجال الأعمال، والشخصيات التي أدت خدمات جليلة للوطن، ومن يرى جلالة السلطان المعظم تعيينه عضوًا بالمجلس من غير الفئات السابقة.

وحيث إن أعضاء المجلس يتمتعون بخبرات وكفايات اكتسبوها عبر مسيرتهم العلمية والفكرية، وعبر مناصبهم التي تبوأوها وأعمالهم التي مارسوها، اتجهت حكمة القيادة إلى الاستفادة من هذه الخبرات والكفايات في دعم خطط الدولة التنموية ورفدها؛ تقديرًا وتكريمًا للدور الذي قدموه في خدمة البلاد، مما يؤكد الدور الريادي الذي يلعبه المجلس في رفع الأداء المؤسسي الذي تنشده القيادة الحكيمة، وتوسيع قاعدة المشاركة، وإعطاء المواطن الثقة التامة والمسؤولية ليساهم في دفع عجلة التنمية والتقدم في بلاده، فيشعر بروح المسؤولية الوطنية، انطلاقًا من أن رأي الجماعة يختلف عن رأي الفرد، وكما يقال (المرء قليل بنفسه، كثير بغيره)، ولذلك فإن عملية المشاركة الجمعية في الشيء المراد دائمًا يحظى بالقبول والاهتمام من الجميع.

ولعل خير دليل على الجهود الطيبة والمقدرة التي يقوم بها مجلس الدولة ما بيَّنه معالي الدكتور يحيى بن محفوظ المنذري رئيس المجلس خلال افتتاحه أمس الجلسة العادية الخامسة لدور الانعقاد السنوي الرابع من الفترة الرابعة لمجلس الدولة، من أن الفترة الرابعة التي تختتمها هذه الجلسة تكتسب أهميتها، نظرًا لكونها شهدت الكثير من الإنجازات والتطوير على مستوى السلطنة والتي واكبتها التوجيهات السامية الكريمة لجلالته ـ أعزه الله ـ المؤكدة على ثبات المبادئ والعدالة الإنسانية، والمعززة لدور المواطن في المساهمة الجادة والنوعية في خدمة التنمية الشاملة التي تعيشها السلطنة، حيث الترحيب والقبول والتطبيق للدراسات والتقارير التي يدرسها ويعدها المجلس..

ويزمع المجلس خلال جلسته العادية والختامية هذه مناقشة ثلاثة تقارير حول التعليم والقطاع السياحي والرعاية الصحية للطفل العماني. وكذلك مناقشة دراسة "قضايا الشباب المعاصرة في سلطنة عمان". وبالنظر إلى هذه العناوين، فإننا نجدها من الأهمية بمكان، حيث إنها تعنى بقضايا مجتمعية كبيرة تتطلب تضافر الجهود وإجراء الدراسات والبحوث وتقييمها، وإشفاعها بالمقترحات المناسبة في ظل التطورات والمتغيرات التي تشهدها المنطقة بوجه خاص والعالم بوجه عام، وهي عناوين تتناول ركائز قامت عليها النهضة المباركة وجاءت من أجلها، حيث تدور حول محور الاهتمام بالإنسان العماني وبنائه وتنميته، لكون أن أفضل استثمار هو في الموارد البشرية والاستفادة من طاقات الشباب.

ونظرًا لما تزخر به السلطنة من كوادر وخبرات لها باع طويل في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والتنموية وفي المجالات الثقافية والعلمية والسياسية، فلن يساورنا أدنى شك في أنها سوف يستفاد منها، في المرحلة القادمة من العمل الوطني ومتطلباتها التي استوجبت التوجيهات السامية بتوسيع صلاحيات مجلس عُمان، دون أن يعني هذا، التقليل من الخبرات والكفاءات التي يضمها المجلس حاليًّا، فلقد أعطت الخبرات الحالية ـ التي لها كل الشكر ـ ما لديها ولم تبخل بها.