للمرة الثالثة يحقق حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا فوزًا ساحقًا في الانتخابات التشريعية التي دعي لها أكثر من خمسين مليون ناخب من أصل 73 مليون تركي إلى صناديق الاقتراع، حيث خاض الحزب من قبل دورتين انتخابيتين؛ الأولى في عام 2002م وحصل فيها على 34 بالمئة من الأصوات، بينما الثانية كانت في العام 2007م وحصد فيها نسبة 47 في المئة من الأصوات وفاز بـ341 مقعدًا في البرلمان. ومن المتوقع أن ترتفع النسبة في انتخابات هذا العام.

وهذه النجاحات المتتالية من دورة إلى أخرى والتي تترجم صواب الرؤية وحكمة التعاطي، تدل على أن حزب العدالة والتنمية بقيادة رئيس الوزراء طيب رجب أردوغان يحظى بشعبية طيبة وقبولًا في أوساط المجتمع التركي.

وواضح أن الحزب قد اكتسب هذه الشعبية والقبول من دوره البارز في نقل تركيا إلى مراحل متقدمة بعد أن عانت ـ في الماضي وقبل وصول العدالة والتنمية إلى السلطة ـ من وضع سياسي واقتصادي شبيه بدول العالم الثالث التي تعيش في مستوى اقتصادي متدنٍّ، ووضع سياسي مضطرب يغلب عليه الانقلابات، ويرجع الفضل في تغيير هذين الوضعين إلى الحزب بقيادة أردوغان الذي جعل الاقتصاد التركي في المرتبة السابعة عشرة في العالم، بنسبة نمو تقارب ما تسجله الصين، وتبلغ حوالي 9ر8 بالمئة في 2010م.

 وفي وضع الجيش التركي القوي في ثكناته بعدما كان لاعبًا سياسيًّا أول، عبر تعديلات دستورية، حيث استطاع الحزب التعامل مع المجتمع التركي بمختلف تياراته وبكافة مشاكله، الأمر الذي قاد إلى نهضة تنموية، رسخت مكانة الحزب لدى الشعب التركي الذي أصبح ينظر إلى الخطوات التي يقودها الحزب بشيء من الاطمئنان، وهو ما تمثل في فوزه في ثالث دورة انتخابية على التوالي.

وينظر إلى حزب العدالة والتنمية على أنه ذو جذور إسلامية خرج من عباءة حزب الرفاه بقيادة نجم الدين أربكان، ما جعل بعض القوى تظن أن خلفيته الإسلامية من الممكن أن تقوده إلى صدام مع قوى وقوميات يتكون منها المجتمع التركي، حيث الاختلاف في الآراء والأفكار والتوجهات، غير أن الحزب أثبت قدرة فائقة على التغلب على هذه النظرة وإثبات عكسها، وذلك للحكمة التي تتمتع بها قيادات الحزب وقدرتها على المقاربة في الاختلافات ووجهات النظر المتباينة، حيث قاد المعركة بامتياز مشفوعة بالحكمة واحترام الإرادات وآراء الشعب التركي.

هذه الحكمة والسياسة المرنة التي نقل بها الحزب تركيا إلى وضع متقدم، أكسبتها احترام قوى المجتمع الدولي وأعطتها الدور الريادي والمؤثر، وبات الكثير من الدول العربية يميل إلى تطبيق النموذج التركي والاستفادة منه، بحيث يراعى المناخ الديمقراطى الحر واحترام إرادة الشعب وتقديمها على كافة المصالح الشخصية والسياسية، وعدم إلغاء طرف أو تقديم طرف على آخر، وتلبية مطالب الشعب في بعث نهضة تنموية حقيقية.

إن استعادة تركيا لوضعها الإقليمي والدولي المؤثر بقيادة حزب العدالة والتنمية مكَّنها من الاضطلاع بدور كبير في قضايا كثيرة منها الوساطة بين سوريا والكيان الإسرائيلي، والتقريب بين طهران وواشنطن في الملف النووي، إلى جانب الجهود لفك الحصار الإسرائيلي الظالم عن قطاع غزة وتصعيد لهجتها تجاه العدوان الإسرائيلي على القطاع، وكذلك استمرارها في توفير التغطية السياسية لملفات مثل قبرص وأرمينيا والزيارة المهمة التي قام بها أردوغان إلى بغداد، والآن ما تلعبه أنقرة من دور الوساطة لإنهاء الوضع الليبي، كل هذه الأمور، لم تزد من رصيد الحزب وحكومته على الصعيد الداخلي، بل وعلى الصعيد العربي والإقليمي والدولي، حيث أصبحت الجهود التركية مرحبًا بها ومطلوبة في هذا الوقت الراهن، بحكم علاقتها المتميزة بالولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي والتي أعطاها الدور الوازن الذي من الممكن أن يكون عونًا للجهود العربية لا سيما فيما يخص حل الصراع العربي ـ الإسرائيلي.

 وإذا كانت تركيا تنظر إلى تضاؤل آمال انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي على أنه سبب في إقبالها على محيطها العربي، فإن ذلك تاريخيًّا كان مجالًا لها، وفي ظل سياستها الحالية ليس مستبعدًا أن تنضم إلى الاتحاد الأوروبي. ويمكن أن يوفر انضمام تركيا لهذا الاتحاد مناخًا أفضل للقضايا العربية ـ في ظل العلاقة المميزة بين أنقرة والعواصم العربية ـ على الأقل في تحجيم الاندفاع الأوروبي باتجاه الاحتلال الإسرائيلي ودعمه الأعمى لإسرائيل.