بعد مرور حوالي ثماني سنوات على الغزو الأنجلو ـ أميركي للعراق، يحاول ساسة المحتل الأميركي والمشرعون في الكونجرس الأميركي إعادة إنتاج الغزو والاحتلال بطرق جديدة، تختلف وسائله هذه المرة عن الأسلوب الحربي المتمثل في إسقاط الصواريخ والقنابل وقذائف الدبابات ومدافع الرشاشات وقتل الأبرياء من الشعب العراقي، وهدم أسقف المنازل على رؤوس ساكنيها، واستخدام الغازات السامة، بحيث يتم الانتقال إلى الوسائل السياسية والدبلوماسية، وأن الوقت قد حان لأن يتحول العراق إلى وضع البقرة الحلوب بصورة كاملة ليصب ضرعها في الخزانة الأميركية بعد أن اكتمل الإخضاع، وفق ما يعتقد الأميركيون.
فوفد الكونجرس الأميركي الذي التقى أمس رئيس الحكومة العراقية الحليفة لقادة الغزو، بحث معه موضوع تعويضات الجانب الأميركي بشأن جزء من الأموال التي صرفها في العراق وعن خسائر جيشه، مبينًا أن "الحكومة الأميركية لا تستطيع أن تستمر بدفع المبالغ الهائلة كونها تشهد مرحلة اقتصادية حرجة"، أوليست هذه التصريحات هي إعادة احتلال العراق، لكن بوسائل أخرى؟
بلى ولكنها أيضًا هي تصريحات مستفزة لملايين الأسر العراقية التي فقدت الضنى، ومعيليها، وجعلت نساء عشرات الآلاف من الأسر يخرجن من بيوتهن يبعن أعز وأغلى ما لديهن من أجل توفير لقمة يسددن بها أفواه أطفالهن، ومنهن من تعرضت لهتك عرضها ومنهن من تعرضت للقتل لا لذنب ارتكبته، سوى أن عاطفة أمومتها دفعتها لأن تنقذ حياة أطفالها، إلا أن الرصاص والقذائف والقنابل الأميركية الغادرة والسيارات المفخخة كانت بالمرصاد.
وفي هذه التصريحات استفزاز واستخفاف وإهانة للملايين من الشعب العراقي الذين هاجروا من جحيم الاحتلال الأميركي، وجحيم ما جره عليهم من جماعات إرهابية تعمل فيهم القتل بالعمليات الانتحارية وتفخيخ السيارات، وفيها استفزاز واستخفاف وإهانة لأولئك الملايين الباحثين عن العمل، وللعراق بأكمله الذي يفتقر إلى أبسط مقومات العيش من الماء النظيف ووجبة مكتملة العناصر، وتدفق مستمر للكهرباء وفرص عمل يتكسب منها، والذي يبحث عن أمن واستقرار كان يفاخر به.
إن الأميركيين حين قرروا نهب ثروات العراق والسيطرة على مقدراته وتدميره ومحاولة سلخه عن الجسد العربي، وتدمير قوته البشرية والعلمية والاقتصادية والعسكرية، لصالحهم وصالح حليفهم الكيان الصهيوني المحتل، كان ذلك بمحض إرادتهم وبدافع سياسات السيطرة الاستعمارية، ولم يطلب منهم الشعب العراقي، وكان ذلك خارج الشرعية الدولية وعبى الضد من ارادة المجتمع الدولي. ولتبرير ما هم مقدمون عليه من حماقة ساقوا جبالًا من الأكاذيب والمزاعم وقلبوا وحرفوا الكثير من الحقائق، اتضحت حقيقة كذبهم باعترافهم، مؤرخين ذلك في مذكراتهم وكتبهم، وباعتراف اللجان الدولية كلجنة التفتيش الدولي بقيادة هانز بليكس وغيره من الخبراء الذين أكدوا خلو العراق من أسلحة دمار شامل، التي أدت كذبتها إلى إجبار توني بلير مشرِّع الغزو على الاستقالة من منصب رئيس الوزراء لبريطانيا.
القانون الدولي أقر مبدأ التعويضات كالتزام ناتج عن ارتكاب دولة ما عملًا غير مشروع إزاء دولة أخرى من أجل إصلاح كامل الضرر الذي سببه العمل غير المشروع، ووفق ذلك فإن العراق تضرر كثيرًا ويحتاج إلى عشرات السنين حتى يعود إلى وضعه السابق، ولذلك فمن حق الشعب العراقي أن يطالب بالتعويض كون أن العراق دولة عضوًا بالأمم المتحدة، قامت دول بالاعتداء عليه منتهكة القانون الدولي.
أيًّا كانت جدية الموقف الأميركي من التعويضات، فإن ذلك أحد فصول مسرحيات الاحتلال الأميركي ومراوغاته، ليبقى على أرض العراق، حيث يعتزم عراقيون تنفيذ مظاهرات لإخراج القوات الأميركية، ويدور حديث أيضًا عن رغبة شرفاء العراق في عدم التجديد لبقاء هذه القوات، بمعنى آخر إن الأميركيين يسعون إلى فرض واقع جديد لإجبار الحكومة العراقية على التمديد لبقاء قواتهم، وربما أيضا أنهم يعلمون أن الحكومة العراقية ومجلس النواب لا يستطيعون البقاء على أرض العراق إلا في ظل الوجود الأميركي وبالتالي يلجأون إلى الابتزاز.
فالمحتل لم يفكر يومًا بالانسحاب من العراق، لا في عهد جورج بوش (الصغير) الذي راجت في عهده استراتيجية الخروج، ولا في عهد خلفه باراك أوباما الذي تحدث عن انسحاب مسؤول أو انسحاب استراتيجي أو مشرف، وما حدث من انسحاب لقوات، هو بالمعنى العسكري إعادة انتشار ليس إلا. إذًا الهدف هو ممارسة ضغوط على العراقيين لمنعهم من التحرك سواء لعدم التجديد، أو المطالبة بطردهم، لأن هذا شأن كل احتلال.