لم يعد من نافلة القول، التأكيد أن أحوج ما تكون اليه الأمة في هذه الايام، هو بناء موقف عربي فاعل وقادر على مواجهة الاخطار والمستجدات التي تعصف بالأمة، وفي مقدمتها المشروع الصهيوني الاستئصالي، الذي يرفض الاعتراف بالحقوق الوطنية والتاريخية للشعب الفلسطيني الشقيق، ويصر وبكل رعونة وفاشية على انتهاك احكام القانون الدولي وكافة قرارات الشرعية الدولية، التي تدعو الى انسحاب قوات الاحتلال الصهيونية من كافة الاراضي العربية المحتلة عام 1967، بموجب القرارين 242، 338 وفي مقدمتها القدس، وعودة اللاجئين بموجب القرار 194، الى مدنهم وقراهم التي طردتهم منها العصابات الصهيونية بقوة السلاح، وبفعل المذابح التي اقترفتها، وما صاحبها من حالات ذعر وخوف، أسهمت في تهجير اكثر من 800 الف فلسطيني من وطنهم، الى أربع رياح الارض.
لم يعد سراً، ان غياب هذا الموقف، هو السبب الرئيس في تراجع مكانة الامة في المحافل الدولية، والسبب الرئيس في تجاسر الطحالب والسرخسيات ودود الارض عليها، تنهش لحمها الحي، والسبب الرئيس في ركوب العدو الصهيوني رأسه، واصراره جهاراً نهاراً على نفي الشعب الشقيق، وتهويد القدس، وتحويلها الى مدينة توراتية بأغلبية يهودية.
وفي هذا الصدد، لا بد من التأكيد على حقيقة مهمة، وهي ان غياب هذا الموقف، اسهم ايضاً في استعصاء الثورات العربية، ووصولها الى مرحلة الازمة، بعد ان لجأت بعض الانظمة الى استعمال السلاح ضد مواطنيها، الذين خرجوا في مظاهرات سلمية تطالب بالاصلاح والتغيير، وطي صفحات القمع والاستبداد والفساد، وترسيخ الديمقراطية والتعددية الحقيقية ومبدأ تداول السلطات بشكل سلمي، ما يفتح الباب أمام التدخلات الخارجية، ويجهض الربيع العربي.
لقد دعا الاردن، وعلى لسان جلالة الملك عبدالله الثاني اكثر من مرة الى ضرورة بناء موقف عربي قوي وقادر على مواجهة المستجدات والمتغيرات، من خلال ترسيخ التضامن ووحدة الصف العربي، وتنظيف البيت العربي من الخلافات، وقد تأكد ان هذا الوباء هو الذي أسهم في تشظية الامة واسهم في تحويلها الى جماعات متناحرة، وكان ولا يزال السبب في الحروب الاهلية، واشعال الفتن الطائفية والمذهبية والجهوية، التي استنزفتها وشرعت الباب للتدخلات الخارجية، التي وجدتها فرصة مناسبة لصب الزيت على النار، ووضع اليد على المقدرات والامكانات العربية الهائلة.
لقد استجاب هذا الحمى العربي للحراك الشعبي، وأمر جلالة الملك الحكومة والاجهزة الامنية بالحفاظ على المظاهرات السلمية، وتهيئة كافة الظروف أمام المواطنين ليعبروا عن آرائهم وقناعاتهم بكل حرية وشفافية، ما ادى الى تميز التجربة الاردنية، وقد أصبحت مثالاً في دنيا العرب يجسد التعاون الرسمي والشعبي لانجاح هذه التجربة، وبصورة تعكس الوعي الخلاق للمعارضة وحرص الجميع على تجذير الديمقراطية.. ودولة القانون والمؤسسات.
مجمل القول: ما أحوج الأمة وهي تتجرع المرارة في ذكرى هزيمة حزيران ان تستحضر الدروس والعبر من هذه الذكرى الاليمة.. واهمها غياب الموقف العربي الفاعل، والذي كان سببا مهما في حدوث الهزيمة.. ولا يزال ايضا السبب في تراجع دور هذه الامة، ووصولها الى هذا الوضع المتردي، ما شجع العدو الصهيوني على رفض قرارات الشرعية الدولية والاصرار على تهويد الارض والقدس.
«إنَّ اللهَ لا يغيّرُ ما بقومٍ حتى يُغيروا ما بأنفسِهِم». صدق الله العظيم.