يعد البحث العلمي من الحاجات الملحة في حياة الدول والأمم الطامحة للتقدم والتطور والتفوق، والتغلب على المشاكل التي تعترض مسيرتها التنموية والتطويرية، وباتت الرغبة في الوصول إلى أكبر قدر ممكن من المعرفة والعلوم عاملًا موجِّهًا ودافعًا قويًّا، باعتبارها المدخل السليم إلى التنمية وعمليات الإنتاج، وتحقيق الرفاهية لشعوبها، وضمان تفوقها وتقدمها على نظيراتها.

فالبحث العلمي هو المجال الحيوي الذي في مناخه ستتحرك عجلة العلم، وتثرى العقول، وتستغل وتوظف التوظيف الصحيح، ما جعلها توليه الكثير من الاهتمام، وسخرت إمكانات كبيرة وكل ما يحتاجه من متطلبات سواء كانت مادية أو معنوية.

وحيث إن البحث العلمي يعد القاعدة الأساسية للتنمية والتطور، وفي المعرفة الإنسانية في كافة مجالاتها، وأن الضامن لتحقيق هذا الطموح هو القدرات الفكرية والذهنية والعقلية والعلمية والسلوكية المخزونة في الإنسان، اتجهت بلادنا إلى بناء هذا الإنسان وإيلائه الاهتمام والرعاية، وتسخير ما بين يديها من موارد متاحة، مُعِدَّةً ذلك تحديًا تخوض غماره، والفوز فيه إنما يتحقق في وجود قاعدة بشرية مؤهلة ومدربة ومتعلمة، لها من القدرة الإبداعية والابتكار وربط النظري بالعملي.

وإيمانًا بالدور الذي يمكن أن يلعبه البحث العلمي في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية ودعم الاقتصاد ومعالجة المشكلات والظواهر السلبية ـ الاقتصادية والاجتماعية وغيرها من الظواهر ـ التي قد تعترض مسيرة التنمية، جاء تأسيس مجلس البحث العلمي في السلطنة ليؤكد على النقلة النوعية التي تشهدها البلاد في المسيرة النهضوية، بما فيها المسيرة التعليمية والاهتمام بالقدرات الإبداعية والعلمية والفكرية من أبناء السلطنة وتشجيعهم على السير في تطوير إبداعاتهم وبحوثهم، والرغبة الصادقة في تطوير أداء البحث العلمي.

 ولم يقتصر دور المجلس على ذلك بل أصبحت دائرة اهتمامه تتسع لتشمل مجالات اقتصادية وبيئية واجتماعية وجيولوجية، ويومًا بعد يوم يزيح المجلس الستار عن بحوث علمية مهمة من شأنها أن تفيد المعنيين كلًّا في مجاله.

وفي اجتماعها أمس ناقشت هيئة مجلس البحث العلمي مسودة الاستراتيجية الخاصة بمركز الموارد الوراثية الحيوانية والنباتية، إذ من شأن ذلك أن يخدم في معالجة قضايا تمس الجوانب المذكورة، حيث لا تخلو الحياة الحيوانية والنباتية من أمراض وراثية أو غير وراثية، فعلى سبيل المثال شاهدنا أمراضًا تفتك بأنواع من النباتات كمكنسة العجوز التي قضت على أشجار الليمون، وسوسة النخيل التي لا يزال يعاني منها عدد كبير من أشجار النخيل، وغيرها من الأمراض التي أصابت أشجار المانجو والرمان. كما أبدت هيئة المجلس موافقتها المبدئية على إنشاء برنامج بحثي لمرصد اجتماعي يعمل على دعم بحوث علمية ترصد الظواهر والمشكلات الاجتماعية ولوضع برامج وحلول لها من خلال توصيات نتائج البحوث العلمية، حيث مجتمعنا شأنه شأن بقية المجتمعات لا يخلو من ظواهر اجتماعية، سواء على صعيد العلاقات الأسرية، أو على صعيد العادات السلوكية، وتأثر الناشئة بما يبثه الفضاء المفتوح من انترنت وفضائيات وغيرهما.

 وأيضًا بما يكتسبونه من عادات وسلوكيات لدى القوى العاملة الوافدة. ولم يغفل المجلس جانب الشجيع والمتابعة والدعم للبرامج البحثية المقترحة، حيث بلغ مجموع الدعم المقدم لهذه المقترحات البحثية ما يقارب مليونًا وثلاثمئة ألف ريال عماني وتتوزع على القطاعات بواقع خمسة مقترحات بحثية لقطاع الطاقة والصناعة، ومقترحين بحثيين في قطاع التعليم والموارد البشرية، ومقترحين بحثيين لقطاع البيئة والموارد الحيوية، ومقترحين بحثيين لقطاع الاتصالات ونظم المعلومات، ومقترح بحثي لقطاع الصحة وخدمة المجتمع.

إن مجلس البحث العلمي يتوقع له أن يتقدم إلى الأمام خطوات أكبر مستقبلًا، حين ترى النور الجامعة العلمية التي وجه جلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ بإنشائها، حيث سيكون مجالات التنسيق والبحث والدراسة والتطبيق والتجريب على نطاق واسع، ولاكتمال العمل الكبير الذي يقوم به المجلس ينبغي أن تكون هناك مراكز بحث ومعاهد دراسية تنفذ وتطبق ما يوجهها به مجلس البحث العلمي، وبإمكان أيضًا هذه المراكز والمعاهد أن تلجأ إلى المجلس لعرض دراساتها وأفكارها.

وذلك لأن البحث العلمي ليس ضربًا من ضروب الرفاهية والتفاخر تمارس داخل هذه المؤسسات، وإنما هو من ظائفه تقصي الحقائق وتبصير المعنيين بالصواب ووضع أصابعهم على مكمن الخطأ، وبعث حياة إنسانية متقدمة راقية ومتطورة، ولذلك نقول إن التطوير يجب أن يكون في البشر وليس الحجر.