ليس غريبا ان تمر زيارة وزير خارجية فرنسا، الان جوبيه، الى الاراضي الفلسطينية واسرائيل بكل هدوء ودون ان تثير اي اهتمام خاص. ولا تتعلق المشكلة بالوزير نفسه ولا في بلاده، ولكن بالاوضاع العامة السياسية والتفاوضية بعد الزيارة المدمرة واللاءات المتكررة، لرئيس وزراء اسرائيل نتانياهو الى الولايات المتحدة والاجتماعات والاحتفالات الاستفزازية في القدس في ذكرى ضمها الى اسرائيل، كذلك على ضوء الحقيقة المعروفة وهي ان الاتحاد الاوروبي كمجموعة او دول منفردة ليس مستعدا ولا قادرا على القيام بأي دور خارج الاطار الاميركي، وكل ما يستطيع فعله هو الدور المكمل او المساند للموقف الاميركي فقط.
في المبادىء العامة يتفق الجميع، والشيطان يكمن في التفاصيل، فالكل يؤيد الحقوق الفلسطينية واقامة الدولة، والكل يرفض الاستيطان ويعتبره غير شرعي، والكل لا يعترف بضم القدس او عمليات تهويدها، الا ان هذا كله لا يعني شيئا حقيقيا ولا نكاد نرى نتائج ملموسة له على ارض الواقع، والعكس صحيح، فان اسرائيل بقيادة نتانياهو والحكومات الاخرى، تواصل سياسة التوسع والضم والتنكر للحقوق ومتطلبات السلام.
لقد اعلن جوبيه، بعد لقائه د. سلام فياض ان الوضع الراهن لا يمكن ان يستمر بصورته الحالية على ضوء التطورات التي تموج بها المنطقة، والمسعى الفلسطيني لانتزاع اعتراف رسمي من الامم المتحدة بالدولة الفلسطينية في حدود حزيران ١٩٦٧. وهو محق في هذا ولكن ما الذي يمكن فعله، وما الذي يسعى الوزير الى تحقيقه في زيارته الشاقة فعلا.
لقد ترك الباب مفتوحا دون اي التزام وهو يتحدث عن امكانية الاعتراف او عدم الاعتراف بالدولة وقال ان كل الاحتمالات واردة في ما يبدو انه تحذير مبطن الى اسرائيل. ولا سيما ان فرنسا اتخذت موقفا ايجابيا بصورة عامة، من موضوع المصالحة الوطنية.
ويسعى جوبيه للبحث عن سبل استئناف المفاوضات، الا ان الموقف الفلسطيني واضح وهو لا مفاوضات في ظل الاستيطان، والموقف الاسرائيلي واضح ايضا وهو لا وقف للاستيطان.
الا ان د. فياض اقترح حلا يبدو عمليا ومنطقيا، حين دعا فرنسا الى تحويل مؤتمر المانحين المقرر في اواخر الشهر الحالي الى مؤتمر دولي اقتصادي وسياسي وليس مجرد مؤتمر للتمويل والدعم المالي فقط، وتحويل المؤتمر الى مناسبة لاعلان التأييد للحقوق الفلسطينية والدولة ، وممارسة الضغط الحقيقي على نتانياهو وحكومته وضد سياساته ومواقفه.
هل تستطيع فرنسا ومن ورائها الاتحاد الاوروبي القيام بخطوة كهذه، ام ان الدور المفقود سيظل مفقودا، يجب ان يدرك الجميع عمق الزخم الذي تخلقه التطورات والثورات ورياح التغيير في العالم العربي، ونحن جزء منه، ومن يتجاهل ذلك او لا يراه، ستفاجئه الاحداث، ولا سيما ان التأييد الشعبي والرسمي الى حد كبير، للقضية يتزايد باستمرار ويكتسب تحركا جديا واسعا، ستكون له ابعاده، ونحن نقترب من ذكرى حرب حزيران.