تعد القيم الإنسانية والدينية والتمسك بالهوية من أهم التحديات التي تواجه المجتمعات الإنسانية المحافظة، في ظل ما يشهده العالم من غزو فكري واستعماري وحرب قيم تتمثل فيما يسمى بالعولمة، المدعمة بالتقدم التكنولوجي في مجال الاتصالات من انترنت وبث مباشر وفضائيات، مما جعل العالم قرية كونية صغيرة، وفي ظل هذا الانفتاح الذي أحدثته الثورة التكنولوجية، أصبح العالم عبارة عن قرية صغيرة، ما ضاعف المسؤولية على المجتمعات في الحفاظ على قيمها وعاداتها وتقاليدها، وتجنيب أبنائها عوامل تعرية القيم والثقافة والهوية، وإلهائهم عن التزاماتهم ومسؤولياتهم في التنمية والبناء.
وقد علمنا أن في صدر الإسلام وتحديدًا في بداية الدعوة كان رسول الأمة عليه الصلاة والسلام يقر القيم والعادات والتقاليد التي لا تتعارض مع العقيدة، كالكرم والشجاعة والإقدام وإغاثة الملهوف والاهتمام بالجار وإجارة المستجير وغيرها من القيم الإنسانية.
وحين يجسد كل امرئ قيمه ويطبقها في حياته تطبيقًا عمليًّا وواقعيًّا فإنه يؤسس لنواة خيرة تبدأ داخل بيته، ثم في مجتمعه باعتبار أن أسرته هي جزء من المجتمع ومكون من مكوناته، فينشأ هذا المجتمع قويًّا معافى مترابطًا ومتآلفًا ومتراحمًا، تسوده مظاهر التعاون والتواصل وحركة البناء والتعمير والتقدم والتطوير، فتشيع بين أهله مشاعر الأخوة والمحبة، وتذهب مظاهر الحسد والحقد والكراهية وتنتفي الدسائس.
ولقد بلور مجتمعنا العماني أنصع صور القيم وأنبلها وأروع صور العادات والتقاليد التي تستمد نورها وهداها من عقيدة الإسلام السمحة، فكان لها الأثر الكبير في بناء الشخصية العمانية التي ساهمت في إبراز الحضارة الإسلامية والحضارة الإنسانية على مر عصورها، ولا تزال مآثر وآثار الشخصية العمانية تحفل بها شواهد الزمان والمكان، فلها طابعها الخاص الذي يميزها عن غيرها في القيم والعادات والتقاليد وأسلوب التعامل المتحضر، والذي يظهر بصورة جلية في الممارسة العملية كما يحدث على سبيل المثال في مجالس الأفراح أو الأتراح أو البرزة أو الرمية والفزعة، والفنون الشعبية، والتي كان لها انعكاس إيجابي في تقويم السلوك وبناء الشخصية على الاحترام والتقدير والتواضع والتآلف والتعاون والكرم، ومن أبرز المظاهر الإيجابية المشاركة الجمعية في بحث شؤون القرية أو البلدة من حيث شق الفلج وتقسيم حصص مياهه وتوزيع الأراضي، وعدم التفرد بالقرار، ومساعدة ذي الفاقة وذي الجائحة وغيرهما، فكان من نتيجة ذلك الحفاظ على الهوية والوحدة.
وما أحوج مجتمعاتنا اليوم إلى التمسك بقيمها وموروثها الثقافي التي يجسدها ديننا الاسلامي الحنيف، في ظل ما يشهده العصر من تقدم علمي وطفرة في مجال التكنولوجيا والاتصالات، والعولمة التي تسعى إلى فتح الحدود أمام جميع الثقافات فتعمل على إذابة الهوية الثقافية وتستهدف القيم الأصيلة، فيختلط الغث بالسمين، وجراء ذلك يعاني أبناء المجتمعات الإسلامية اليوم من انفصام بين الموروث من القيم وبين الثقافات الدخيلة التي تتنافى مع الموروث وتتصادم معه، فأصبحوا لا يميزون بين ما ينفعهم وما يضرهم، ما نتج عن ذلك شرخ كبير في الهوية والتمسك بها واتساع الهوة بين الثابت والمتغير وبين الصحيح وغير الصحيح وبين الصالح والطالح، وبدأ كثير من أبناء مجتمعنا يتمرد على قيم مجتمعهم ويعتنق قيم الحضارة الغربية ويتبنى أفكارها، ويدافع عنها متنكرًا لقيمه الأصيلة متهمًا إياها بأنها رجعية والمتمسك بها رجعي ومتخلف، وقد دلل على هذا النكران والتمرد بمظهره الخارجي كتعبير عن المخبر، سواء في طريقة اللباس أو تقليعات الشعر، ولا ريب أن هذا التمرد ينم عن خواء روحي، لأن القيم الروحية هي الأساس والمؤثرة على بقية القيم المعرفية والعقلية والاجتماعية والاقتصادية والتي مجالها الحيوي هو النشاط الإنساني بكل جوانبه، ويشترك في مسؤولية هذا الخواء الروحي الأسرة أولا ثم بقية المؤسسات الاجتماعية كالإعلام والأندية والمدرسة والمسجد. وللأسف باتت المسألة مقلوبة لدى بعض شبابنا اليوم، فبدل أن يخضع الدخيل لقيمه، يعمل على إخضاع قيمه للدخيل من الثقافات الأخرى.
وانطلاقًا من هذه التحديات تأتي ندوة (القيم العمانية ودور المواطن في التنمية) التي تبدأ فعالياتها اليوم، للتأكيد على أهمية التزام المجتمع العماني بالقيم والمبادئ والمُثل العليا التي مثلت على الدوام عنوان وجوده وصيرورته، وحكمت خطواته في حاضره، وفي بناء مستقبل واضح وبنَّاء لأجيالنا وواقعنا، لكون أن هذه القيم متسقة مع الفطرة الإنسانية، ومستمدة من قيم الإسلام وعقيدته، بل إن القيم في ظل هذا الاستمداد العقدي تضبط الفطرة بضوابط الدين، فتنشأ شخصية الفرد شخصية سوية، منتجة تنشد الخير لصاحبها ولمجتمعها.