قيام مجلس جامعة الدول العربية بتشكيل لجنة عربية عليا برئاسة مصر لمساعدة الفلسطينيين على تنفيذ بنود اتفاقية الوفاق للمصالحة الفلسطينية طبقًا لما هو منصوص عليه في الاتفاق، خطوة جيدة على طريق العمل العربي المشترك، وتؤكد الإصرار العربي على لمِّ الشمل الفلسطيني وتبديد أجواء الانقسام، وهي خطوة من شأنها أن ترسخ الاتفاق وتجعله يصمد في ظل المحاولات الإسرائيلية لإفشاله، وقد عبر الإسرائيليون وفي مقدمتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي المتطرف بنيامين نتنياهو رفضهم لهذا الاتفاق، وأصبحوا الآن يشترطون إفشاله لبدء المفاوضات لتلبية المطالب الدولية.

لقد كان الانقسام عائقًا على التحرك على صعيد القضية الفلسطينية، ومثَّل عقبة كأداء على الموقف العربي، فكان بمثابة قيود قيدت حركته، ما جعل الإسرائيليين يتخذون من الموقف برمته حجة لتبرير عدم رغبتهم في الدخول في المفاوضات والالتزام بالاستحقاقات والوفاء بها، فأعطاهم فرصة طويلة لأن يتنمروا ويتملصوا من الاستحقاقات الراتبة عليهم، ويغيروا وجه الأرض بصورة كاملة، سواء في مدينة القدس المحتلة أو في بقية أراضي الضفة الغربية، وتسريع وتيرة الاستيطان. بمعنى آخر، إن الفلسطينيين بانقسامهم قد أخطأوا خطأ جسيمًا وكبيرًا في حق قضيتهم، وهو ما يلمسه الجميع الآن، متمثلًا في تضاعف عدد اللاءات الإسرائيلية لعرقلة العملية السلمية، حيث ذهب الإسرائيليون بعيدًا، ليس فيما يتعلق بوضع القدس المحتلة وعودة اللاجئين، وإنما حتى حدود عام 1967م والانسحاب منها، والوضع الديموغرافي في الضفة الغربية وعدم الرغبة في تغييره.

ولذلك فإن أي عودة إلى تكرار الانقسام يعني أن الفلسطينيين قد حكموا على قضيتهم بالتصفية وقدموا أرضهم على طبق من ذهب لعدوهم، خاصة وأن الإسرائيليين الآن بدأوا يشحذون أسلحتهم وسكاكينهم لتقطيع أوصال اتفاق المصالحة الفلسطينية، وقد بدأوا بنحره بالفعل عبر حملات الاعتقال الممنهجة التي تطول قيادات ونوابًا وعناصر في حركة حماس وحركة فتح وأيضًا في حركة الجهاد الإسلامي في الضفة الغربية؛ أي في المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية وحركة فتح، لأن المحتل الإسرائيلي يعلم أن بخطوته هذه سيدفع حماس وبقية الفصائل الفلسطينية إلى رفع أصابع الاتهام للسلطة الفلسطينية أولًا لعدم قدرتها على منع الاعتقالات وإدانتها، وثانيًا التنسيق الأمني مع المحتل الإسرائيلي الذي ستنظر إليه حماس على أنه سبب مباشر في الاعتقال، وبالفعل قد طالبت حركة حماس نظيرتها فتح باتخاذ قرار بوقف الاعتقالات والإفراج عن المعتقلين ووقف التنسيق الأمني ردًّا على الجرائم الإسرائيلية المستمرة. علمًا بأن الاعتقالات ذات طابع سياسي وليس أمنيًّا.

الاحتلال الإسرائيلي لا يلجأ إلى مثل الأساليب لإفشال اتفاق المصالحة، إلا إذا كان يرى أن ثمة صعوبة ستواجهه في التقدم باتجاه الإجهاز على القضية الفلسطينية وإكمال مشاريعه الاحتلالية، وستعرضه إلى الإحراج والعزلة، ولا ريب أن الاتفاق قد أكسب الموقف الفلسطيني قوة وصلابة، وما يزيده مَنَعة هو اللجنة العليا لمتابعة الإشراف على ومتابعة تنفيذ اتفاقية الوفاق الوطني الفلسطيني والتي خرجت من رحم مجلس جامعة الدول العربية في اجتماعه الأخير الثلاثاء الماضي. لذا من الأهمية بمكان انتباه الفلسطينيين إلى ما يحاك ضدهم، خصوصًا وأنهم الآن بصدد التوجه إلى الأمم المتحدة لطلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية وهي خطوة يعارضها المحتل الإسرائيلي وحليفه وداعمه الولايات المتحدة التي تستعد لتقطيع الجهود الفلسطينية بحق النقض (الفيتو).

الموقف الآخر الذي يجب أن يقوي الموقف الفلسطيني ويجعل اتفاق المصالحة خيارًا لا رجعة عنه، هو تلك الازدواجية في التعامل، ففي الوقت الذي يعلن فيه الاحتلال الإسرائيلي أن القدس المحتلة العاصمة الأبدية الموحدة لما يسمى بالدولة اليهودية، ويمارس استفزازاته ويحاول تغيير الواقع الديموغرافي ويرصد الأموال (100 مليون دولار) لتهويد القدس الشرقية وضمها إلى القدس الغربية، وهي خطوة غير معترف بها دوليًّا، تقيم الولايات المتحدة وحلفاؤها الدنيا ولا يقعدونها حين يعزم الفلسطينيون على المطالبة بحقهم التاريخي والإنساني.

نعيد ونكرر للأشقاء الفلسطينيين إن المصالحة فرصة تاريخية والنكوص عنها لا يعني سوى ضياع الوطن الفلسطيني، وسيؤدي إلى انفضاض الالتفاف الشعبي حول حركتي فتح وحماس بصورة خاصة والمقاومة بصورة عامة.