يعد التعليم الذي يستمد حيويته من الموارد البشرية هو العصب الرئيسي للتنمية في جانبيها الاجتماعي والاقتصادي، وإذا كان العنصر البشري هو المدخل الأساسي في المؤسسات التعليمية، فإنه في الوقت ذاته هو المقوم الأولي لكل مجالات التنمية، ولذلك أولت النهضة المباركة التي فجر طاقاتها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ الموارد البشرية الاهتمام الكبير من حيث التعليم والتأهيل والتدريب، لكونها هي سواعد البناء لتحقيق الأهداف المنشودة التي انطلقت من أجلها النهضة المباركة.
لم يكن الهدف من التعليم هو القضاء على الأمية والجهل فحسب، بل كانت النظرة من إيلاء قضايا التعليم الأهمية التي تستحقها هي التطلع إلى غايات كبرى تتخطى الأمية والجهل بمراحل متقدمة جدًّا، حيث كانت النظرة تستهدف الكفاية والكفاءة التعليمية في ارتباطها بالقيمة الاقتصادية للتعليم وتحقيق مظاهر التقدم والرقي، بحيث تكون الاستفادة من المخرجات في اتجاهين؛ في اتجاه الخريج، وفي اتجاه المجتمع، ولذلك كانت الدعوة إلى المواءمة بين التخصصات العلمية واحتياجات سوق العمل، بما يضمن استيعاب المخرجات أولًا، ويحقق عائدًا اقتصاديًّا واستقرارًا اجتماعيًّا ثانيًا، ويحقق سياسة التعمين التي تستهدف إحلال القوى العاملة الوطنية محل الأيدي العاملة الوافدة ثالثًا.
ونظرًا لارتباط الكفاءة التعليمية بالإنتاجية ارتباطًا وثيقًا، ما فتئ عاهل البلاد المفدى ـ أعزه الله ـ يدعو إلى إعطاء الموارد البشرية الفرصة الكافية واللازمة من التدريب والتأهيل، من منطلق أن الاهتمام بالموارد البشرية وتوفير مختلف الوسائل لتطوير أدائها وتحفيز طاقاتها وإمكاناتها وتنويع قدراتها الإبداعية وتحسين كفاءاتها العلمية والعملية هو أساس التنمية الحقيقية، وحجر الزاوية في بنائها المتين القائم على قواعد راسخة ثابتة.. ووفقًا لذلك جاءت التوجيهات السامية لجلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ بالمضي قدمًا في استيعاب المزيد من الطلاب والطالبات من مخرجات التعليم للعام الدراسي الحالي، وذلك بزيادة عدد البعثات الداخلية في الجامعات والكليات الأهلية وزيادة عدد البعثات الخارجية، وكذلك التوسع في الزيادة بالكليات التقنية ومراكز التدريب التأهيلية، حيث ستحتضن المؤسسات التعليمية داخل السلطنة وخارجها عشرة آلاف وخمسمئة من المخرجات هذا العام، حسب التصريح الصحفي الذي أدلى به صاحب السمو السيد فهد بن محمود آل سعيد نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء.
من المؤكد أن هذا العدد سوف يخلق فرصًا تنافسية بين أبنائنا الذين هم اليوم على مقاعد امتحاناتهم النهائية في الدبلوم العام، كما أن هذه التوجيهات السامية ستخفف من الضغط النفسي وعوامل القلق التي عادة ما تصاحب أولياء الأمور وأبناءهم على السواء، حيث ينظر الجميع إلى شهادة الدبلوم بمثابة المصير (أكون أو لا أكون). ومن شأن مضاعفة أعداد المقبولين، سواء في البعثات الداخلية أو الخارجية أن يحقق نوعًا من العدالة، ويكافئ المجتهدين من أبنائنا الذين من الممكن أن لا يتم استيعابهم ـ قبل التوجيهات السامية ـ نظرًا لمحدودية أعداد المقبولين، كما أن من شأن ذلك أن يزيح عبئًا ماليًّا عن كاهل أولياء الأمور، فهي توجيهات كريمة بحق وفي وقتها المناسب، وتبقى مقدرة ولها وقعها النفسي والأبوي في أنفس أبنائنا الطلاب، وتكسر حاجز الخوف والقلق في هذا الوقت بالذات.
لقد اتجهت السلطنة في سياساتها التنموية إلى أهمية استخدام مدخل القوى العاملة للتخطيط كأساس للربط بين النظام التربوي واحتياجات التنمية الشاملة من القوى البشرية المدربة، وتحويل الحاجات من القوى العاملة إلى حاجات تعليمية، عبر تحديد المعارف والمهارات المطلوب تنميتها في الطلاب لكل مهنة، وهذا ما يتضح من اتفاقيات التدريب التي توقعها الحكومة بين فترة وأخرى، لتأهيل القوى الوطنية بهدف تعيينهم في الوظائف التي يتم تدريبهم عليها، وما يؤكد هذا الاتجاه أيضًا ما أشار إليه سمو السيد نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء، من أن معالي الدكتورة وزيرة التعليم العالي ومعالي الشيخ وزير القوى العاملة سوف يعقدان مؤتمرًا صحفيًّا لتوضيح التفاصيل المتعلقة بهذا الموضوع.
وسيشارك معهما عدد من رؤساء الجامعات الأهلية في ذلك المؤتمر لإلقاء الضوء على ما يبذل من جهود في هذا المضمار وعن استفادة أبناء هذا البلد العزيز من الفرص المتاحة لهم حاليًّا ومستقبلًا بمشيئة الله وتوفيقه. ولذلك فإننا نعتقد أن هذا التنسيق هو أيضًا مقدمة لبناء مناهج تتكامل فيها المهارات والمعارف، والوقوف على متطلبات المؤسسات التعليمية المختلفة وحاجات المؤسسات الإنتاجية والخدمية. وهكذا، يومًا بعد يوم تفصح نوايا التغيير والتطوير عن طابعها المضيء، وعزمها الأكيد على ترجمة ذاتها في خطوات مدروسة تحقق للإنسان العماني ما يتطلع إليه وما تهفو إليه نفسه من جهة، وما تتطلبه مسيرة النهضة المباركة من عوامل نجاح لخططه التنموية.