يبدو أن الإسرائيليين قد حزموا أمرهم على طلاق بائن لا رجعة فيه من عملية السلام، وما على الفلسطينيين ومن يساندهم إلا أن يبحثوا عن شريك أو طرف آخر يحقق لهم مطالبهم.
هذا الواقع يؤكده، الخطوة الإسرائيلية الرعناء والمستفزة التي اتبعتها حكومة المتطرف بنيامين نتنياهو والمتمثلة في الاجتماع الذي عقدته في البلدة القديمة بالقدس الشرقية المحتلة، بمناسبة مرور الذكرى الرابعة والأربعين على احتلال إسرائيل للمدينة، وهي إشارة قوية للمجتمع الدولي بمن فيه العرب والفلسطينيون، إلى أن عملية السلام وقضية التسوية لم تعد في أجندة هذه الحكومة، وليس في وارد الدخول في مسار مثل هذا يأتي على أهم قضيتين فلسطينيتين؛ القدس المحتلة واللاجئين، ولتكريس هذا المفهوم في أذهان الجميع أعلنت الحكومة الإسرائيلية عن خطوات تهدف إلى المضي في عمليات الاستيطان اليهودي في القدس الشرقية.

 حيث أعلنت عن مشاريع سياحية وتكنولوجية للمؤسسات الإسرائيلية في شطري المدينة المحتلة (القدس الغربية والقدس الشرقية) تبلغ قيمتها مئة مليون دولار، لإحكام قبضتها بصورة كاملة على المدينة وتهجير سكانها الفلسطينيين، ولم تتوقف عملية تهويد القدس المحتلة، فقبل ذلك عمد الكيان المحتل إلى تغيير المعالم العربية والإسلامية، وتغيير المسميات العربية إلى يهودية، سعيًا للوصول إلى الحلم المزعوم وهو يهودية الدولة وعاصمتها الأبدية القدس الموحدة.

نعلم أن الهدف الذي يريد الإسرائيليون تحقيقه من هذه الخطوة، هو إرسال رسالة إلى الشعب الفلسطيني الذي تعتزم قيادته التوجه إلى الأمم المتحدة لطلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية والعضوية الكاملة، وعاصمتها القدس الشرقية، مفادها بأنه لن تنالوا ما تسعون إليه.

ويستند نتنياهو في إحباط المساعي الفلسطينية، إلى التأييد المادي والمعنوي الذي حصل عليه والاستقبال الاحتفالي الذي حظي به من الكونجرس الأميركي تعبيرًا عن موافقتهم ورضاهم عن ما جاء في خطابه الذي ألقاه الثلاثاء الماضي، بأن القدس الموحدة هي العاصمة الأبدية لكيانه المحتل، رافضًا أي تسوية تتعلق بالقدس الشرقية التي يريدها الفلسطينيون عاصمة لدولتهم المستقلة.

إن اختيار الحكومة الإسرائيلية القدس الشرقية مكانًا لعقد اجتماعها هو آخر مسمار يدقه الكيان الإسرائيلي في نعش عملية السلام والتسوية، بعد مسامير عدم الاعتراف بحدود عام 1967م وعودة اللاجئين، ورفض قيام دولة فلسطينية، ومعارضة اتفاق المصالحة الفلسطينية.

وإزاء ذلك لم يبق أمام الفلسطينيين سوى خطوة التوجه إلى الأمم المتحدة لنزع الاعتراف بحقهم، كما انتزعت المنظمة من قبل حقهم وأعطته لليهود، فعلى المنظمة الدولية أن تكفر عن ذنبها بانتزاع الحق الفلسطيني من براثن المحتل الذي مكنته ودعمته، وجعلته فوق القانون والشرعية الدولية، على الرغم من يقين الطرف الفلسطيني أن خطوة التوجه للأمم المتحدة والتي لاقت دعمًا وتأييدًا من لجنة متابعة مبادرة السلام العربية، لن تعيد لهم وطنهم، بسبب إصرار القوى النافذة في المجتمع الدولي على الانتصار لطغيان الباطل الإسرائيلي، ولكن على المجتمع الدولي وعلى نصير إسرائيل القوي، ونعني به الولايات المتحدة.

 أن يدركا أن إعاقة الفلسطينيين عن الوصول إلى حقهم الإنساني هذا، يمكن أن يدخل المنطقة في أتون تطورات مأساوية لا أحد يتمناها، لأن ساعتئذ لن يكون أمام الشعب الفلسطيني من خيار سوى المقاومة بشتى أنواعها، وبطبيعة الحال فإن العرب لن يكون حينها أمامهم من خيار إلا نصرة إخوتهم المنهوبة حقوقهم، وإذا كان الإسرائيليون يرون في تأمين احتلالهم بأعتى الأسلحة، فإن منطق القوة أكد أنه ليس الضمانة المثلى للأمن، وشواهد الحاضر، قبل التاريخ، تدلل على ذلك، ونعتقد أن الولايات المتحدة الأميركية خير من يجب عليه استيعاب هذه الحقيقة.