هل ما زال لبنان قادراً على أن يكون صندوق بريد تودَع فيه كل الرسائل المفخخة التي يتم توجيهها إلى الغرب؟
بالأمس رسالة دموية من العيار الثقيل وُجِّهَت إلى اليونيفيل عند بوابة الجنوب، وأدت إلى جرحى من الوحدة الإيطالية، وقد توقَّف المراقبون عند المعطيات التالية المواكِبة للعبوة التي انفجرت:
إنها موضوعة بحرفية عالية، واستطراداً فانها ليست من صنع هواة بل محترفين.
لكي تنفجر بالوحدة الإيطالية فإن هذه الوحدة تم رصدها منذ انطلاقها من مكانٍ ما، إذ من غير المعقول زرع العبوة قبل تحديد الهدف بل إنه تمَّ تحديد الهدف ثم بوشر بوضع العبوة ورصد الهدف إلى حين وصوله إلى مكان التفجير، هذا العمل يستلزم توافر تجهيزات لوجستية لا يملكها إلا المحترفون، كما يستلزم خبراء هناك مَن يوفر لهم حرية الحركة والرصد وسهولة الإنسحاب والتخفي بعد إتمام العملية.
قبل هذه العملية شهد لبنان استهدافاً من نوع آخر هو خطف الأستونيين السبعة، العملية بدورها، وعلى غرار التفجير بقوة اليونيفيل، تمَّت بدرجة عالية من الحِرَفية بحيث أن الخاطفين لم يتركوا وراءهم أثراً أساسياً يمكن تعقبه ويوصِل إليهم.
إذاً هناك خلايا نائمة في لبنان، لا يُعرَف إلى أي جهة أو دولة تعمل، وتستطيع في أي لحظة أن توجه رسالة دموية في أي منطقة تريدها وفي أي توقيت تختاره، من دون حسيب أو رقيب.
إذا البلد مكشوف، ومكابر مَن يعتقد بأننا نعيش في مرحلة استقرار وبأننا في منأى عن تلقي مضاعفات ما يجري في المنطقة.
فبالأمس أيضاً، في ذكرى النكبة الفلسطينية تحرَّك الفلسطينيون ومعهم بعض اللبنانيين في اتجاه الحدود الجنوبية مع فلسطين المحتلة عند نقطة مارون الراس، كانت رسالة قوية جداً، وكادت في لحظة معينة أن تُطيح بالواقع القائم منذ حرب تموز 2006 وما تبعها لجهة القرار 1701.
قد لا تكون هذه الأحداث وهذه الرسائل خطف الأستونيين وتفجير الوحدة الإيطالية وحادثة مارون الراس مترابطة، لكنها في المحصِّلة ستؤدي إلى نتائج متشابهة وهي ان لبنان ما زال مستودع الرسائل الدموية، ويُخشى أن تكون هذه الرسائل في بدايتها فعندها نكون قد عدنا ثلاثين عاماً إلى الوراء حين كانت كل الرسائل الدموية تمر عبر بلدنا إلى درجة أن أحد وزراء خارجية أميركا آنذاك، جورج شولتز، وصف بيروت بالطاعون، فكان ما كان من منع الميدل إيست من الهبوط في المطارات الأميركية، وبدأت معاناة اللبنانيين في الحصول على تأشيرات دخول إلى الكثير من البلدان.
هل سنعود إلى هذه الأجواء؟
ليس بالضرورة، لكن البلد مكشوف ومشرَّع على كل الإحتمالات والمفاجآت. فهل من أحد يرفع صوت المسؤولية؟