إن ما جاء في البيان الختامي لمجموعة الثماني التي اختتمت أمس أعمال قمتها في مدينة دوفيل الفرنسية حول عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بدعوة الجانبين إلى بدء مناقشات جوهرية بدون تأخير، يمكن أن يكون كلامًا إنشائيًّا مستهلكًا، كون أن مثل هذه البيانات الصادرة من قبل سواء عن هذا التجمع الدولي أو التجمعات الدولية الأخرى، لم تكن على قدر كبير من الأهمية وذلك لأنها بقيت حبرًا على ورق لعدم مصاحبتها فعل وضغط على الأرض.

قمة الثماني في بيانها الختامي رأت أن التغييرات التاريخية في المنطقة تجعل من تسوية الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني عبر التفاوض أكثر أهمية، حاثة الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي على التفاوض حول المسائل الجوهرية بدون تأخير من أجل التوصل إلى اتفاق إطار بشأن كل القضايا المرتبطة بالوضع النهائي، معبرة عن ترحيبها برؤية الرئيس الأميركي باراك أوباما التي وردت في خطاب الخميس قبل الماضي والتي تمحورت حول دولة فلسطينية منزوعة السلاح وبحدود جديدة غير الحدود المعترف بها دوليًّا وهي حدود عام 1967م، وكذلك حول الدولة اليهودية والاعتراف بها ومطالبة حركة حماس بالاعتراف بالكيان الإسرائيلي وانتقاد انضمامها لحكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية المقبلة.

الجهود الدولية مرحب بها ومطلوبة في هذا الظرف الراهن، إلا أن ما يعيبها أنها تظل دون ذات جدوى ما يجعلها تفقد مصداقيتها أمام الرأي العام العالمي ويزعزع جوانب الثقة في مثل هذه التجمعات الدولية.

وعلى الرغم من الهنات والمنعرجات والثمن البخس الذي تعرضه رؤية أوباما لحل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، والانحياز المطلق للجانب الإسرائيلي الذي كشفته الرؤية، فإن الإسرائيليين يرفضون تلك الرؤية ويرفضون العودة إلى المفاوضات، بذرائع مختلفة، من بينها اتفاق المصالحة الفلسطينية وما تمخض عنه من تشكيل حكومة وحدة طنية، مشجبًا يعلقون عليه رفضهم، زاعمين بأن حركة حماس نسخة عن تنظيم القاعدة، بينما كان الإسرائيليون قبل اتفاق المصالحة، يتحججون في عدم بدء المفاوضات بعدم وجود الشريك الفلسطيني، وحين وجد هذا الشريك يزعمون بأن الاتفاق عائق أمام بدء المفاوضات. إذًا من المعطل والمعرقل؟ ومن الذي تفزعه المفاوضات؟

لقد باتت اللعبة مكشوفة ومفضوحة بالنسبة للعرب والفلسطينيين، وهكذا نعتقد على الأقل بالنسبة للأطراف الدولية وتحديدًا مجموعة الثماني، وهي أن الكيان الإسرائيلي يريد أن يلعب على عامل الزمن ويماطل ويسوف حتى يتمكن من تهويد مدينة القدس المحتلة زعمًا منه بأنها العاصمة الأبدية للكيان المحتل، وكذلك من التهام كامل أراضي الضفة الغربية، لكي يمنع أي سانحة لقيام دولة فلسطينية مستقلة، ولذلك كان الإسرائيليون واضحين وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، حين رفضوا الانسحاب حتى حدود عام 67 والتي تحدث عنها أوباما في خطاب الخميس قبل الماضي، وقد مارسوا ضغوطًا كبيرة لتركيع أوباما لمنظورهم الخاص حول الحدود، وهو ما عاد خانعًا في خطاب الأحد الماضي ليعلن أمام اللوبي الصهيوني (منظمة آيباك) بأن كلامه عن الحدود فُسر تفسيرًا خاطئًا.

نعلم جميعًا أن التحول الذي تشهده المنطقة هو ما يحرك القوى الدولية ذات المصالح في المنطقة، ولذلك فهي ترى أن حماية مصالحها تأتي من بوابة مساعدة الشعوب الثائرة في تحقيق حريتها ورفع حالة معيشتها بالمساعدات المالية، وحل القضية الفلسطينية وإلا فإن النفوذ والمصالح لن تستقر. لذا فالقادة الدوليون ذوو المصالح يحاولون تسويق اهتمامهم بشعوب المنطقة لما لديهم من رصيد في الممارسة الديمقراطية، وبوسعهم تصدير فيوضها.

لكن لو كان عنصر الجدية هو المحرك على مسار الصراع العربي ـ الإسرائيلي وجدولة المفاوضات زمنيًّا تنتهي بفترة محددة وإنهاء الصراع بصورة كاملة، لما رأينا أعضاء الكونجرس الأميركي تحمر أيديهم من كثرة التصفيق وتهتز أرجلهم من تعب طول الوقوف لنتنياهو وهو يلقي خطابه عليهم، وهم يعلمون أنه هو الذي يماطل ويعرقل وهو الذي أحرج رئيسهم في رؤيته، وهو وحكومته من صفع نائب رئيسهم جون بايدن حين كان في القدس المحتلة من أجل تشجيع الإسرائيليين على السلام وتجميد الاستيطان. أليس في ذلك تشجيعًا وقحا لاسرائيل على التمرد على الشرعية الدولية وعلى سياستها المماطلة؟