صمود الشعب اللبناني أسطوري، فأين نجد في هذا العالم شعباً تكويه كل هذه الازمات المتلاحقة ويبقى واقفاً على رجليه؟
ربما يجدر بكل المتابعين ان يتوقفوا عن السياسة لفترة معينة لأنه، وللأسف الشديد، أصبحت السياسة اداة إلهاء بدلاً من ان تكون اداة معالجة، والتوقف هنا ليس بهدف الاستراحة بل من اجل التفرغ للملفات الاكثر اهمية والاكثر حيوية وهي الملفات التي بدأت تقض مضاجع اللبنانيين ولا تجد من يجد لها حلول ومعالجات.
الاسبوع الفائت نجا لبنان من قطوع اضراب قطاعات النقل بعدما لبَّت الجهات المعنية جزءاً من مطالب هذه القطاعات والتي تمثلت باعطاء اصحاب اللوحات الحُمر العمومية كوتا شهرية من البنزين هي عبارة عن اثنتي عشرة صفيحة ونصف صفيحة لكل صاحب لوحة عمومية، أي ما يوازي راتب الحد الادنى للأجور.
خطوة جبارة قامت بها وزارة المالية لتحقيق أحد المطالب المزمنة للسائقين العموميين، فهذا القطاع يضم نحو خمسين الف لوحة عمومية، لكن بعملية حسابية بسيطة يتبيَّن ان كلفة هذا الدعم تفوق العشرين مليون دولار شهرياً، وهذا ما يطرح السؤال التالي: من أين ستوفر وزارة المالية هذا المبلغ شهرياً؟ هل من اموال الخليوي التي يجمعها وزير الاتصالات في حساب خاص في مصرف لبنان من دون من ان يفك الحصار عنها لمصلحة وزارة المالية؟
اذا لم تكن من تلك الاموال فمن أين سيكون بالامكان توفيرها؟ هذه مشكلة اساسية، فحين يحل المعنيون مشكلة فإنهم يتسببون بمشكلة ثانية وبرفع قيمة المديونية.
ثم هناك مشكلة ثانية: اذا حُلت مشكلة السائقين العموميين باعطائهم حاجتهم من البنزين، فمن يحل مشكلة سائقي السيارات الخصوصية؟ كيف يحق ان تُعطى المساعدة لسائقي السيارات العمومية ولا تُعطى المساعدة لسائقي السيارات الخصوصية؟ أليس بعض هؤلاء في عوز أيضاً؟
نسوق هذا المثل لنقول ان القرارات التي تُتخذ انما تتخذ تحت الضغط وتحت طائل الاحتجاجات والتلويح بالاضرابات، لكن هذا الواقع ليس صحياً بل يحمل في طياته عوامل عدم استقرار، فغداً قد تتداعى قطاعات اخرى وتحذو حذو قطاعات النقل، وعندها أي فوضى عارمة ستسود مختلف القطاعات وكذلك العلاقة بينها وبين السلطات التنفيذية المعنية بهذه الملفات؟
قد تكون المعالجات التي تتحقق هي حلول مؤقتة لكن الحل الانجع هو الذي تقوم به عملياً حكومة أصيلة، فمرحلة تصريف الاعمال، على اهميتها، لا تحل محل مرحلة حكومة تُقدم بيانها الوزاري في كل المجالات وتنال الثقة على اساسه، اما ان تطالب حكومة جرى اسقاطها وسحب الثقة منها فهذا ليس عدلاً على الاطلاق، فعلى الذين اسقطوها وسحبوا الثقة منها ان يبادروا الى ايجاد البديل وتحقيق مطالب الناس.