ليس من المبالغة في شيء القول أنه بالرغم من الانخفاض النسبي في حوادث السير في مختلف محافظات ومناطق السلطنة في الأشهر الماضية، إلا أن الاحصاءات التي تصدرها شرطة عمان السلطانية بشكل دائم ومتواصل حول الحوادث والخسائر المترتبة عليها في الأرواح والمصابين تشير بوضوح شديد إلى أن أعداد الوفيات والمصابين، وكذلك أعداد الحوادث لا تزال مرتفعة إلى حد كبير.
وإذا كان حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – قد تحدث عن هذا الموضوع الذي يسبب الكثير من الألم والكدر لأعداد غير قليلة من الأسر، والذي تترتب عليه في الوقت ذاته نتائج وآثار اجتماعية وخسائر اقتصادية كبيرة يخسرها المجتمع بوفاة وإصابة أعداد من الشباب القادر على الاسهام في حركة التنمية والبناء، وحث جلالته شرطة عمان السلطانية والمجتمع، والأسر والفعاليات الاجتماعية على العمل وبذل المزيد من الجهود للحد من الحوادث قدر الامكان.

وبينما أدى تناول جلالة السلطان المعظم واهتمامه السامي بهذا الموضوع إلى إعطاء دفعة كبيرة على كافة المستويات خلال الأشهر الماضية، وهو ما لمسه الجميع، فإنه من الأهمية بمكان أن تتواصل الجهود والتعاون بين كافة المؤسسات والجهات المعنية في الدولة من أجل مؤازرة شرطة عمان السلطانية في جهودها الحثيثة والمقدرة في هذا المجال من أجل الحد من نزيف الاسفلت وصيانة أرواح وحياة وصحة أبنائنا والحد في الوقت ذاته من الخسائر الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على الأعداد الكبيرة من الحوادث المرورية.

جدير بالذكر أن السلطنة أعطت نموذجا طيبا على المستوى الدولي على صعيد مبادرة التعاون من أجل السلامة على الطرق، وهي المبادرة التي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، ووجدت تأييدا دوليا واسع النطاق، خاصة وأن خسائر حوادث السير تتجاوز بالفعل خسائر الحروب.

وفي الوقت الذي تبذل فيه السلطنة كل جهودها من أجل التعامل العلمي مع هذه المشكلة العالمية، فإن شرطة عمان السلطانية حرصت في الواقع على الاستفادة بخبرات العديد من الدول الأخرى في العالم، سواء بعقد الندوات في هذا المجال، وهو ما استضافته مسقط مؤخرا، أو بالاستعانة بخبراء المرور وتخطيط الطرق والسلامة عليها، فضلا عن قيامها بتوفير خدمات الاسعاف على المحاور الاساسية للطرق في السلطنة من أجل التدخل لنقل المصابين في الحوادث بأسرع وقت ممكن وهو ما يسهم في إنقاذهم والحفاظ على حياتهم أحيانا، إلا أن ذلك كله لا يمكن أن يغني عن جانب بالغ الأهمية وهو التعاون المجتمعي الشامل من أجل الحد من الحوادث المرورية.

صحيح أن شرطة عمان السلطانية تقوم بجهودها العديدة في هذا المجال، ولكن لأن المسألة تحتاج إلى جهود أوسع، فإنه من المهم والضروري أيضا أن تتعاون كل المؤسسات، وفي مقدمتها المدارس والجامعات وأجهزة الاعلام وجمعيات المجتمع المدني، والشيوخ والرشداء، وبالطبع الأسر أيضا من أجل تبصير الأبناء بأهمية التقيد والالتزام بإجراءات السلامة على الطرق، وبضرورة الانتباه والالتزام بقواعد السير حفاظا على سلامتهم وحفاظا أيضا على أسرهم وعلى المجتمع ككل، خاصة وأن هذه في النهاية هى مسؤولية الجميع وليس شرطة عمان السلطانية وحدها.

وإذا كانت عملية تغليظ عقوبات مخالفات السير الخطرة يمكن أن تؤدي إلى الحد من الحوادث، فإنه ينبغي دراسة ذلك للوصول إلى أفضل السبل للحد من الحوادث التي باتت تشكل عنصر استنزاف خطر للكثير من الأرواح وحرمان الآلاف سنويا من الحياة بشكل طبيعي نظرا لإصاباتهم في حوادث مرورية بشكل أو بآخر