الحديث عن خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي ألقاه أمس حول ما تشهده المنطقة العربية من ثورات واحتجاجات هو حديث ذو شجون، وذلك لجملة القضايا التي شملها الخطاب والتي تدعو إلى مزيد من الوقوف عليها، حيث طرح أوباما عدة نقاط، ولعل أولى هذه النقاط هي قوله إن على الولايات المتحدة تغيير سياستها في الشرق الأوسط، لأنها إن لم تفعل ستزيد من التباعد الحاصل بينها وبين العالم العربي، أي أن أوباما يريد تحسين صورة بلاده عبر تغيير السياسة التي كانت قائمة والمتمثلة في دعم الأنظمة الدكتاتورية، وهذا ما أشار إليه بقوله إن "الأحداث التي جرت خلال الأشهر الستة الأخيرة أظهرت لنا أن سياسات القمع لن تجدي بعد اليوم"، مشيدًا بالانتفاضات الشعبية، واصفًا إياها بأنها "فرصة تاريخية"، ورابطًا مستقبل الولايات المتحدة بمستقبل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، قائلًا إن مزيدًا من زعماء المنطقة قد يحذون حذو زعيمين تنحيا.

ويمكن أن يفهم من ذلك أن واشنطن تريد أن تثبت وجودها في المنطقة هذه المرة من خلال العلاقة بالشعوب وليس بالأنظمة كضمانة لمصالحها، بعد أن تبين لها أن الرهان على أنظمة تأتمر بأمرها وتنفذ أجندتها وتملي عليها رؤاها، بات ضربًا من الماضي وتجاوزته الأحداث وداسته الثورات، ما يدفع إلى التغيير. ولكن هذا التغيير الذي يريد الرئيس الأميركي القيام به يختلف مدخله هذه المرة عن مدخل التغيير الأول الذي أعلنه في بداية حملته الانتخابية، حيث سيعتمد هذا التغيير على الدعم الاقتصادي ومساعدة الشعوب الثائرة بالأوراق الخضراء لتتمكن من البناء والعيش والعمل، اعتقادًا من أوباما أن الدافع لهذه الثورات هو لقمة العيش والبحث عن الأموال فقط، معلنًا عن برنامج جديد للمعونات الاقتصادية يبدأ بمصر وتونس بما في ذلك مساعدة الحكومات الجديدة على استعادة الأموال التي فقدتها بسبب الفساد.

لكن حين تعلق الأمر بالصراع العربي ـ الإسرائيلي والجهود العربية والفلسطينية تغيرت نبرة الحديث باستباق أوباما عزم الفلسطينيين بالتوجه إلى الأمم المتحدة في سبتمبر المقبل للاعتراف بالدولة الفلسطينية، بالتلويح بعرقلة الخطوة التي وصفها بأنها جهد لعزل إسرائيل في الأمم المتحدة وأنها لن تنجح، حيث شدد بقوله إن "جهود الفلسطينيين لنزع الشرعية عن إسرائيل ستبوء بالفشل.

التحركات الرمزية لعزل إسرائيل في الأمم المتحدة في سبتمبر لن تؤدي إلى قيام دولة مستقلة"، فالشعب الفلسطيني ليس من ضمن الشعوب التي يريد أوباما اعتبارها ركيزة لسياسته تجاه المنطقة العربية، مؤكدًا التزام واشنطن نفس النهج الراسخ المنحاز للكيان الإسرائيلي المحتل. ولذلك ومن أجل تفادي الوضع الحرج الذي من المتوقع أن تسببه الخطوة الفلسطينية في الأمم المتحدة عرض أوباما دعم إدارته بأن تكون الحدود بين إسرائيل والدولة الفلسطينية المقبلة يجب أن تستند إلى حدود العام 1967 مع تبادل أراضٍ يتفق عليه الطرفان بغية إنشاء حدود آمنة ومعترف بها لكلتا الدولتين، وأن تكون الدولة الفلسطينية المستقلة "منزوعة السلاح". أي دولة منزوعة السيادة، دولة عاجزة عن حماية أراضيها وشعبها، متجاهلًا في الوقت ذاته ذكر أهم قضيتين وهما القدس المحتلة وعودة اللاجئين.

لقد رحب الجانب الفلسطينيي بهذا الطرح ـ وهو لا يملك إلا أن يرحب، وإلا فإن اللعنات الأميركية ستنهال عليه، ولكن جاء الرد الإسرائيلي سريعًا، وكما هو متوقع بالرفض، حيث أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معارضة كيانه المحتل الانسحاب من حدود العام 1967م، وفي نفس الوقت إعلان الموافقة على بناء 620 وحدة استيطانية جديدة في مستوطنة بسغات زئيف في القدس الشرقية المحتلة، ويتوقع أن تتبعها لاحقًا موافقة على 900 وحدة أخرى في مستوطنة جبل أبو غنيم (هار حوما) قرب مدينة بيت لحم في الضفة الغربية.

ورغم المثالب العديدة التي يمكن تسجيلها على هذا الخطاب والتي من غير الممكن حصرها وتفنيدها في مقال واحد فإننا نعتقد أن مصير ما جاء في خطاب أوباما فيما يخص الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي تحديدًا لن يكون أفضل من وعود أوبامية سابقة، وأن ما سيتبع الخطاب من أفعال حقيقية على الأرض لن تخرج عن نسق الأفعال التي أعقبت الخطابات والتصريحات السابقة لأوباما ورموز إدارته، خاصة وأن الرد الإسرائيلي المتعنت والمضاد للسلام والمانع لأي حل تسووي جاء قبل أن ينهي أوباما كلمته، وأن مضمون الخطاب ما هو إلا محاولة أميركية لقطع الطريق على الفلسطينيين وإفشال مسعاهم للحصول على انتزاع قرار دولي يعترف بدولتهم.