ينبع اهتمام السلطنة بالأطفال من نظرتها إلى أن أفضل استثمار هو في مجال الموارد البشرية والذي يجب أن يبدأ من مرحلة الطفولة اتساقًا مع هدف النهضة المباركة التي جاءت من أجل بناء الإنسان العماني وتنميته، واعتباره الغاية وقطب الرحى الذي تدوره حوله أهداف التنمية كافة.

 ومن هذا المنطلق حرصت السلطنة على تقديم كافة أشكال الدعم والتأهيل والعناية والرعاية المتمثلة في التأمين الصحي ومتابعة الطفل والاهتمام بصحته منذ تكونه في رحم أمه ومتابعة صحة أمه، وتقديم جميع اللقاحات اللازمة بعد ولادته ولأمه، وتستمر معه المتابعة الصحية حتى تكتمل لديه الحصانة، ولأجل ذلك جعلت العلاج مجانيًّا، وإذا كان الاهتمام بصحة الطفل على هذا القدر، فإن الاهتمام بتعليمه لا يقل أهمية أيضًا. ليمتد الاهتمام إلى المجال القانوني والتشريعي، حيث قامت السلطنة على هذا الصعيد بتدابير وخطوات مهمة لضمان بيئة مواتية لحماية الطفل ونمائه إلى جانب الخدمات الصحية والتعليمية، كما أولت اهتمامًا كبيرًا للأطفال فاقدي الرعاية الوالدية والأحداث, إضافة إلى تكوين فرق غير مركزية لمتابعة حالات الإساءة ضد الأطفال.

وإيمانًا من السلطنة بضرورة احترام حقوق الطفل، فقد بذلت جهودًا كبيرة في سبيل حماية الطفل من كل ما قد يمس سلامته النفسية والجسمية والعقلية والصحية والاجتماعية، وعنيت بهذا المجال عناية كبرى، حيث كانت سباقة في الانضمام إلى الاتفاقيات الدولية التي اهتمت بالطفل، فقد انضمت إلى اتفاقية حقوق الطفل سنة 1996م، وفي سنة 1997م صدر المرسوم السلطاني رقم (22/97) بالتصديق على الاتفاق الأساسي للتعاون بين حكومة السلطنة ومنظمة الأمم المتحدة.

وفي عام 2004 صدقت السلطنة على انضمامها إلى البروتوكولين الاختياريين الملحقين باتفاقية حقوق الطفل بموجب المرسوم السلطاني رقم (41 /2004) واللذين يتعلقان بشأن اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة، وبيع الأطفال واستغلال الأطفال في البغاء وفي المواد الإباحية. وانضمامها إلى الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

 بالإضافة إلى قيام المشرع العماني بتشريع قانون مساءلة الأحداث رقم (30/2008) إيمانًا منه بأهمية معالجة انحراف الأحداث بأفضل التدابير التي تستهدف التقويم والإصلاح، فمشكلة انحراف الأحداث تعد من الظواهر الاجتماعية التي تتحكم فيها عوامل عدة شخصية وبيئية واجتماعية، كما أن دراسة أسباب انحراف الأحداث كظاهرة اجتماعية وعلاج ذلك بطريقة علمية سليمة واتخاذ تدابير الوقاية منها، والاهتمام بالرعاية اللاحقة من أهم الأهداف التي تتطلع الشعوب إلى تحقيقها.. فضلًا عن مجموعة أخرى من القوانين الصادرة بهذا الشأن تضمنت العديد من أوجه الحماية للطفل منها على سبيل المثال قانون مكافحة الاتجار بالبشر وقانون رعاية وتأهيل المعاقين وقانون مكافحة الإرهاب وقانون غسيل الأموال، وإنشاء اللجنة الوطنية لشؤون الأسرة.

إن الطفل معرض للإساءة من قبل أسرته والأصدقاء والمحيطين به، حيث تعد الإساءة من أخطر القضايا التي تمس حقوق الطفل بشكل مباشر وأساسي في حقه في الرعاية الكاملة والكافية والتنشئة الاجتماعية الصحيحة، والإخلال في حقوقه يؤدي إلى تعرض الطفل للإعاقة النفسية والجسدية، فتجعله ينشأ متمردًا على بيته وعلى مجتمعه، فيعبر عن هذا التمرد بالاعتداء على الآخرين والمرافق العامة، ويؤدي به الأمر إلى البحث عن الحنان المفقود في البيت مع الرفاق الذين قد يكونون من السوء بمكان يدلونه على الشر وعلى طريق الجرائم وتعاطي المخدرات والمسكرات، ما سينعكس بدوره سلبًا على المجتمع واستقراره وتطوره وتقدمه، وتهديده بالتخلف وانتشار الأمراض، وإهدار الموارد من أجل إصحاحهم، ولكن حين تقوم الأسرة بدورها الحقيقي والأساسي فإنها ستمد المجتمع بكل تأكيد بأفراد صالحين يدعمون التنمية ويساهمون في رفعة أوطانهم ومجتمعاتهم.

ومن أجل ذلك تواصل الجهات المعنية في السلطنة جهدها لتأمين قدر كافٍ من العناية والمتابعة والحماية لأطفال السلطنة، وفي هذا السياق تأتي الحلقة النقاشية التي نظمتها أمس وزارة التنمية الاجتماعية ممثلة بالمديرية العامة للتنمية الأسرية حول مشروع بناء قدرات أعضاء فرق عمل دراسة ومتابعة الحالات الخاصة بالأطفال المعرضين للإساءة والذي تم تنفيذه بالتعاون بين الوزارة ومنظمة اليونيسيف, وتأتي الحلقة التي تعد استكمالًا لمشروع بناء القدرات الذي بدأت أولى مراحله بتقييم عمل الفرق وذلك بتنظيم زيارات ميدانية، للتعرف على الخدمات المقدمة للأطفال في السلطنة بشكل عام والخطط والاستراتيجيات المتعلقة بنظم حماية الطفولة بشكل خاص للتعرف على آليات عمل الفرق والصعوبات والتحديات التي تواجه المختصين والعاملين مع هذه الفئة من الأطفال.

وهكذا يتضح مدى الاهتمام الكبير الذي توليه حكومة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ بالنشء، باعتبار أن هذا النشء هو عماد الأمم وصناع المستقبل ورجال الغد، وهم الذين يتوقف عليهم دوران عجلة التنمية في البلاد ويقودونها إلى آفاق رحبة من التقدم والتطور.