عشرات الالاف الفلسطينيين والعرب الذين احيوا الذكرى الثالثة والستين للنكبة أول امس(الأحد) سواء في المخيمات والمدن والقرى داخل الوطن او في منافي الشتات او على الحدود فيما تطلعت عيونهم وافئدتهم نحو ديارهم التي هجروا منها ظلما وعدوانا، وبما يتنافى مع كل الشرائع والقيم والمبادئ السماوية والانسانية، هؤلاء الذين عبروا امس عن ضمير امتنا العربية والاسلامية وشعبنا الفلسطيني انما نقلوا لاسرائيل رسالة واضحة مفادها ان شعبنا رغم سنوات القهر الطويلة ورغم التشرد والتشتت والاقتلاع ورغم كل المؤامرات التي حيكت ولاتزال تحاك لتصفية قضيته فانه لازال متمسكا بحقوقه الثابته والمشروعة وفي مقدمتها حقه في العودة الى دياره التي حرم من العيش فيها بما يتناقض مع كافة المواثيق والقوانين الدولية .
كما ان القمع الدموي الذي واجهت به اسرائيل هذا التعبير السلمي عن التمسك بالحقوق وهذا التعبير عن الانتماء الانساني والوطني، والذي راح ضحيته عشرات الشهداء والجرحى الفلسطينيين والعرب انما نقل رسالة واضحة للعالم اجمع بان اسرائيل التي يحلو لها التشدق بانها الديمقراطية الوحيدة بالشرق الاوسط وانها تشارك الغرب قيم ومبادئ حقوق الانسان ظهرت على حقيقتها المناهضة لحقوق الانسان ولحرية التعبير والمعادية للحق والعدل الذي جسدته امس هتافات واصوات الجماهير التي احيت ذكرى النكبة، وان اللغة الوحيدة التي تلجأ اليها لطمس هذه الحقوق والدوس على كل المواثيق الدولية انما هي لغة النيران الحية التي لم تفرق بين طفل او امرأة او شيخ تماما كما لم تفرق بين اي ممن عبروا عن تمسكهم بالحق والعدل فكان الاستهداف واحدا لكل ما يعبر عن ضمير هذه الامة فلسطينيا ام عربيا.
والتساؤل الذي يطرح اليوم على كل القوى الغربية التي سارعت الى الاعلان عن تأييدها للهبات الجماهيرية في عدد من الاقطار العربية تحت شعار دعم حقوق الانسان والديمقراطية هو: ما الذي ستقوله هذه القوى الان ازاء هذا الانتهاك الاسرائيلي الفظ لحقوق الانسان وللمواثيق الدولية وللحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني التي اقرتها الشرعية الدولية؟ وهل ستتحرك هذه القوى تحت نفس الشعارات لمواجهة اسرائيل كما فعلت عندما تحركت لمواجهة الانظمة التي اعتبرت انها تنتهك حقوق الانسان ؟ علما ان مأساة الشعب الفلسطيني لا تتعلق فقط بحقوق الانسان بل انها مأساة حرمان شعب باكمله من كافة حقوقه السياسية والانسانية مع الاستمرار في احتلال ارضه وتحدي المجتمع الدولي في انتهاكات متواصلة بالاراضي المحتلة ببناء المستوطنات والتضييق على الشعب الفلسطيني في كل مناحي حياته .
وفي المحصلة فان ما حدث امس يجب ان يدفع اسرائيل الى اعادة النظر في كل مواقفها السياسية تجاه الشعب الفلسطيني وحقوقه والتخلي عن وهم خداع النفس وكأن الشعب الفلسطيني قد يتنازل يوما عن حقوقه الثابته والمشروعة التي تحظر القوانين الدولية ليس فقط انتهاكها وانما ايضا التنازل عنها. فالامن والسلام والاستقرار في هذه المنطقة من العالم لن يتحقق طالما واصلت اسرائيل التنكر للشرعية الدولية ولحقوق الشعب الفلسطيني وطالما ظلت تراهن على ان تمحو من ذاكرة هذا الشعب ذكرى النكبة التي ستظل محفورة في عقول وضمائر كل الفلسطينيين والعرب اينما كانوا. فإذا كانت اسرائيل تبحث حقا عن السلام والامن والاستقرار والقبول في هذه المنطقة العربية فان عليها اولا ان تقرأ جيدا الرسالة الواضحة التي وجهتها لها الجماهير الفلسطينية والعربية امس سواء داخل الخط الاخضر او في الضفة والقطاع او منافي الشتات او على الحدود المتاخمة لفلسطين التاريخية .