من المعروف على نطاق واسع أن حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم– حفظه الله ورعاه – يحرص منذ انطلاق مسيرة النهضة العمانية الحديثة على تأكيد قيمة الحوار، الحوار الايجابي مع كل الأطراف الأخرى، ليس فقط على الصعيد الداخلي، ولكن أيضا على الصعيد الخارجي، دولا وشعوبا وحضارات، وذلك انطلاقا من إيمان عميق بأن الحوار الإيجابي يمكنه أن يقود دوما إلى التلاقي والتفاهم والتوافق حول ما يمكن ان يحقق المصالح المشتركة والمتبادلة، فضلا عن حل أية خلافات أو سوء فهم قد يحدث لسبب أو لآخر.

لم يقتصر الأمر على تبني الحوار كقيمة إنسانية رفيعة تقرب بين الأطراف المختلفة، ولكنه تحول أيضا إلى سلوك عملي، وإلى ممارسة يومية في السياسات والمواقف العمانية حيال مختلف القضايا والتطورات، وعلى كافة المستويات كذلك، وإذا كانت هناك العديد من الأمثلة والنماذج بالغة الأهمية والوضوح والنجاح أيضا، فيما يتعلق بفاعلية الحوار، والممارسة العملانية له في مختلف الظروف، فإنه ليس من المصادفة في شيء أن تشهد الأيام الأخيرة نموذجين بارزين يعبران وبشكل عملي ملموس عن الإيمان العماني العميق بالحوار مع الدول والشعوب والحضارات الأخرى، بل ودعم الحوار كقيمة وكأسلوب في التعامل مع الآخرين على كافة المستويات. تمثل النموذج الأول في افتتاح «المركز العالمي للحوار – لقاء» في العاصمة اللبنانية بيروت يوم الاربعاء الماضي، وهذا المركز يتبع «بطريركية انطاكيا وسائر المشرق لطائفة الروم الملكيين الكاثوليك»، وقد أقيم بدعم من جلالة السلطان. وقد أشار البطريرك «جريجوريوس الثالث» بطريرك انطاكيا وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك إلى ان مركز «لقاء» يهدف إلى ان يكون مركزا محليا وعالميا للحوار بين الإنسان وأخيه الإنسان في كل المجالات، وانه ما كان لهذا الصرح ان يرى النور «لولا مكرمة جلالة السلطان المعظم حيث تحقق هذا المشروع الفريد من نوعه». وتجدر الإشارة إلى أن العاصمة اللبنانية بيروت تحتضن أيضا مركزا ثقافيا هو المركز الثقافي اللبناني العماني الذي يتم تشييده ليكون منارة كبيرة للحوار والتواصل العماني واللبناني مع مختلف الدول والشعوب والحضارات من حولنا، وهذا أمر بالغ المعنى والدلالة فيما يتصل بالاهمية التي تعطيها السلطنة للحوار.

اما النموذج الثاني فإنه يتمثل في المعرض الذي تقام فعالياته حاليا ويستمر حتى الثالث من الشهر القادم في العاصمة النمساوية فيينا، وهو معرض «التسامح الديني في سلطنة عمان» الذي يقام بالتعاون بين سفارة السلطنة في فيينا ووزارة الاوقاف والشؤون الدينية، والجمعية العمانية الالمانية، وبعض الجهات النمساوية، ويأتي هذا المعرض ليعبر عن حرص السلطنة على تعزيز جسور التفاهم والصداقة بين الشعوب، وتوفير وترسيخ جو التسامح والتعايش الديني وحرية ممارسة العقائد الدينية التي يكفلها النظام الاساسي للدولة كحق أصيل للمواطن والمقيم وفق القانون، ومن المعروف أن تقرير الحريات الدينية الذي أصدرته وزارة الخارجية الامريكية لعام 2010 قد أشاد بالتسامح الديني الذي تعيشه السلطنة في ظل القيادة الحكيمة لجلالة السلطان المعظم.

من جانب آخر فإن الكراسي العلمية التي أنشئت باسم جلالة السلطان المعظم في 15 جامعة من أبرز جامعات العالم وفي مختلف القارات تسهم هي الأخرى بدور بالغ الأهمية في تحقيق وتعميق التواصل والحوار العماني والعربي والإسلامي مع الشعوب والحضارات الأخرى، وعبر أرفع المؤسسات العلمية في العالم، وهو ما يقدره لجلالة السلطان المعظم الكثيرون على امتداد المنطقة والعالم وفي مقدمتهم العلماء والمفكرون والقيادات والشعوب الأخرى.