لا يختلف اثنان على أن ما تحقق من منجزات ومكتسبات على هذه الأرض الطيبة كان ثمرة تضحيات جسيمة قدمها العمانيون ولم يكن الطريق إليه سهلًا ميسورًا، ولذلك فإن مسألة الحفاظ عليها والذود عنها وعدم الإضرار بأمن الوطن مسؤوليات وتضحيات لا تقل جسامة، وهذا ما لا يتفق مع عمليات التحريض والدس التي لا تمس جهة معينة أو شخصًا ما بذاته، وإنما تمس الوطن بكامله.. ولأهمية هذا الأمر بمكان فقد أكد حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ في لقائه بأعضاء مجلس الشورى مؤخرًا ضرورة توعية المواطنين للحفاظ على مكتسبات الوطن من أولئك الذين ينتهجون القيام بأعمال تسيء إلى سمعة البلاد وقيمها الأصيلة.
إن الاختلاف في وجهات النظر سنة الحياة ولا أحد يختلف عليها، والمطالب المشروعة هي حق من حقوق الناس تكفلها القوانين، وتفتح لها طرقًا مشروعة تسهل لها الوصول إلى ذوي العلاقة والمطالَب بتحقيقها، وتعطي لأصحاب المطالب المشروعة الصفة الشرعية والقانونية في متابعة مطالبهم ومحاورة المعنيين بالقانون، ولهم الحق كل الحق في إعادة رفع مطالبهم في حال لم تتحقق. والخروج عن هذا السياق يعطي الجهات الأمنية والقانونية الحق في اتخاذ ما يلزم لضمان الأمن ومصالح الناس وممتلكاتهم وممتلكات الدولة، باعتبارها الجهات المنوط بها إرساء الأمن. ولذلك فإن اتخاذ التحريض والتأليب مسلكًا للخروج عن الطرق القانونية لإشاعة الفوضى وتهديد أمن المواطنين وتعطيل مصالحهم وعرقلة عمليات الإنتاج داخل البلاد، يكون أمرًا منافيًا لما أتاحته القوانين من حرية التعبير والمطالبة بالحقوق. ولا يخرج عن هذا السياق ما صرح به المصدر الأمني المسؤول بأن الجهات الأمنية والعسكرية ألقت القبض مساء أمس على عدد من المحرضين ـ حسب المسؤول ـ في كل من محافظة مسقط وولاية صلالة الذين بلغت ـ كما قال المصدر ـ تحريضاتهم على إثارة الشغب والإخلال بالنظام العام حدًّا لا يمكن معه إلا اتخاذ الإجراءات اللازمة لردعهم عن استمرارهم المتعمد لتجاوز القوانين النافذة في البلاد، وسعيهم للترويج لأمور تبعث على الفتنة ولا تمت بصلة للمطالب المتعلقة بالمصلحة العامة.
إن هذه الأعمال مرفوضة وتتنافى مع الطبيعة السمحة والأخلاق القويمة التي يتمتع بها أبناء عمان الماجدة الذين طبقت شهرتهم الآفاق في التسامح والحوار الهادئ، وتقبل الآخر واحترام الطرف الآخر والحفاظ على مصالح الناس، وتكاتفهم وتعاضدهم لحماية منجزات بلادهم والحفاظ عليها، ولا يتمنى كل غيور على وطنه أن يسمع أو يشاهد مثل هذه الأعمال التي دفعت الجهات الأمنية لمنع الفتنة والفوضى، لأن ذلك في النهاية فيه إساءة ليس للفاعلين وأسرهم وذويهم ومجتمعهم، بل فيه إساءة للوطن بكامله، خاصة وأن هذه الأعمال التي دعت إلى تدخل الجهات الأمنية، ليس ثمة ما يبررها، وذلك بعد تحقيق أغلب المطالب بسرعة لفتت انتباه الجميع وفاقت التصورات، وما بقي من هذه المطالب لا يزال قيد الدراسة والبحث، مع ثقة بالغة في العزم الأكيد للقيادة الحكيمة على تلبية هذه المطالب وفق ما هو متاح من الإمكانات.. لذا من المنطق والحكمة أن تتوقف الاعتصامات وتعطى الحكومة الفرصة الكافية للنظر في المطالب وتحقيقها بصورة غير متسرعة وتضمن أي آثار سلبية تظهر لاحقًا. ولا ننسى أن جهود القيادة الحكيمة في ما يتعلق بالوضع المعيشي بارزة للعيان، حيث عمليات توظيف المواطنين تسير بخطى حثيثة وقد قطعت شوطًا كبيرًا، وتحسين الأجور، سواء للموظفين أو المتقاعدين وتحسين معاشات ذوي الضمان الاجتماعي، وبالنسبة لمطلب البنوك الإسلامية فقد وجه جلالته ـ أعزه الله ـ بإنشاء البنك الإسلامي، وما يتعلق بمطلب تأسيس جامعة حكومية أخرى، وجه أيضًا جلالته ـ أيده الله ـ بإنشاء جامعة علمية.
وعليه فإننا كمواطنين، كما قام قائدنا باستلام مطالبنا المشروعة وتحقيقها بهذه السرعة، فإننا أيضًا يجب أن نقابل هذه التلبية لمطالبنا بكل أدب وأمانة واحترام، ونعطي الحكومة فرصتها، لأنها مسخرة من قبل جلالته ـ أبقاه الله ـ لخدمتنا، فينبغي أن تكون ثقتنا في قيادتنا الحكيمة والحكومة كبيرة ونكون عند حسن الظن. فمن جاء من أجل إنسان عُمان سيظل أبدًا من أجله.