يفترض ان تكون القمة الروحية التي عقدت امس في بكركي خاتمة الاحتفالات بانتخاب البطريرك الماروني بشارة الراعي، وفاتحة لنقاشات دينية ـ سياسية، حول مستقبل البلد الذي يواجه اليوم واحدة من ادق مراحل الضياع الوطني، نتيجة افتقاره الى مرجعية خارجية تتولى ادارته واقناع طوائفه بالتعايش والتوافق، كما كانت الحال منذ عهد المتصرفية الى اليوم.
ولا بد من كلمة في سر هذا الغياب الذي يمكن ان يعزى بداية الى ان المرجعيات العربية او الدولية التي طالما كانت تحكم لبنان، هي كلها، من دون اي استثناء، منهمكة بقضايا وتحديات اكثر اهمية من المسألة اللبنانية التي فقدت في الآونة الاخيرة قيمتها السياسية، حتى بالنسبة الى آخر وأهم تلك المرجعيات، اي المرجعية السورية التي اضطرت مؤخرا للانكفاء الى الداخل السوري، ومواجهة مشاكله المعقدة التي كان لبنان احد مخارجها او على الاقل وسائل تمويهها.. فصارت الآن اولوية قصوى، على نحو ما يردد الرئيس بشار الاسد نفسه على مسامع الوفود الشعبية السورية التي يستقبلها هذه الايام، ويعتذر منها ضمنا لان نظامه انشغل بالسياسة الخارجية اكثر مما اهتم بالسياسة الداخلية.
لم يبق من الحضور السوري في لبنان سوى الهجرات الشعبية السورية، التي سجلت في الاسابيع القليلة الماضية ارقاما قياسية لا يمكن حصرها، والتحالفات اللبنانية العميقة مع دمشق التي لم ولن تسلم بسهولة بانها تفقد الآن حضنها وعمقها السوري، وهي ستضطر عاجلا او اجلا الى التكيف مع حقيقة ان السوريين سيغرقون لسنوات بل حتى لعقود طويلة مقبلة في تدبير امورهم، وفي تحديث نظامهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ما لا يتيح لهم ممارسة اي دور جدي في الشأن اللبناني.
نهاية هذا الدور السوري، تسدل الستار على مختلف الادوار العربية والدولية التي مورست في لبنان باعتباره فناء خلفيا لسوريا يستخدم للتفاوض حينا او للتصارع احيانا، والتي لم تعترف يوما بان لبنان قيمة بحد ذاته، بل مجرد صدى هامشي لما يدور بين دمشق وطهران والرياض وانقرة والقاهرة وباريس وواشنطن.. وجبهة مواجهة ومساومة مع اسرائيل، التي اكتشفت في العام 1982 ان اخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان لم ولن يقفل تلك الجبهة، إلا بتسوية سياسية مع سوريا.
وليس من المبالغة القول انه لم يعد هناك اي دور او مشروع خارجي في لبنان، وهي حقيقة لم يصدقها حتى الآن كثيرون من اللبنانيين الذين يعتقدون انه لا يزال بالامكان استدعاء الخارج العربي او الدولي للتوسط في ما بينهم، ان لم يكن بدافع الحرص على هذه الطائفة او تلك، فعلى الاقل بدافع الاهتمام بعدم توسع اي اشتباك محلي لبناني الى حريق اقليمي، كما هو الشائع منذ نهاية السبعينيات وحتى اليوم. وهي نظرية اسقطتها الثورات الشعبية العربية، التي عطلت السياسة الخارجية لمختلف البلدان العربية، وبالتالي اسقطت من ايدي الجميع ما كان يسمى بالورقة اللبنانية التي تخسر قيمتها الآن، حتى بالنسبة الى ايران وتركيا.
اللبنانيون متروكون الآن وحدهم، يتدبرون شؤونهم الخاصة التي لا يمكن ان تثير من الآن فصاعدا ادنى اهتمام عربي او اميركي او اوروبي.. يتخطى البديهيات الوطنية التي اعلنتها قمة بكركي الروحية، والتي يمكن ان تعتبر مجرد مدخل لنقاش يسد الفراغ الوطني الاول من نوعه منذ قرنين.