في الوقت الذي يقوم فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو بجولة أوروبية من أجل استعداء الاتحاد الأوروبي والعالم ضد الفلسطينيين، وضد المصالحة الفلسطينية التي تمت قبل أيام بين فتح وحماس، والتي يقف الشعب الفلسطيني كله داعماً لها، وفي حين بدأت وزارة نتانياهو في اتخاذ اجراءات عقابية بالفعل ضد الرئيس الفلسطيني محمود عباس وضد السلطة الوطنية الفلسطينية من أجل خنقها وإثارة المشكلات أمامها، فإن الساحة الإسرائيلية لم تخل من أصوات تتسم بالقدرة على الرؤية الصحيحة أو على الأقل المخالفة للرؤية الرسمية التي تروج لها حكومة نتانياهو.

وكما كانت حركة السلام الآن الإسرائيلية في تسعينيات القرن الماضي صوتاً مبكراً يدعو للسلام ويدعم المحاولات الجادة لتحقيقه على أسس موضوعية تحقق المصالح الفلسطينية والإسرائيلية أيضاً وبما يحقق السلام العادل والدائم، فإن هناك الآن مبادرة من جانب شخصيات إسرائيلية ومثقفين ومسؤولين أمنيين سابقين تدعو للسلم مع العرب، وتؤكد الحاجة إلى بلورة مبادرة إسرائيلية تتقابل مع المبادرة العربية التي طرحها العرب منذ عام 2002، والأكثر من ذلك هناك صوت إسرائيلي آخر هو صوت شاؤول موفاز رئيس الأركان ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق، ورئيس لجنة الأمن والدفاع في الكنيست الإسرائيلي الآن، وهو صوت شديد الأهمية لأنه صوت له خبرة عسكرية واستراتيجية وسياسية أيضاً.

 وعندما ينبه موفاز إلى أن المصالحة الفلسطينية يمكن أن تحمل فرصة إيجابية للسلام في المنطقة ولإسرائيل أيضاً، وأنه – أي موفاز – يرى أن رد الفعل الإسرائيلي من جانب نتانياهو هو رد فعل متسرع ويمكن أن يؤدي إلى سلبيات لا داعي لها، فإن وجهة النظر هذه تحتاج في الواقع إلى تشجيع، أو على الأقل إلى الاستماع له ليس فقط من جانب العرب والفلسطينيين، ولكن من جانب الإسرائيليين أيضاً.

جدير بالذكر أن السنوات الماضية شهدت الكثير من الاتصالات، خاصة من جانب مثقفين وشخصيات فلسطينية سياسية بارزة مع التيارات الإسرائيلية المؤمنة، أو المؤيدة للسلام العادل بين إسرائيل والعرب، بما في ذلك إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، بل إن هناك مقترحات سلام تمت بالفعل خلال السنوات الماضية وتقدمت بها شخصيات فلسطينية وإسرائيلية، ولا تزال أفكارها موضع اهتمام بعض الدوائر على الجانبين، وعلى ذلك فإن الوقت يكون قد حان لتشجيع أصوات الاعتدال داخل إسرائيل، وعلى مختلف المستويات، على الأقل من أجل إظهار أن الحملة التي يقوم بها نتانياهو إنما هي حملة حزبية تعبّر عن الليكود وحزب «إسرائيل بيتنا» بزعامة ليبرمان وليست تعبيراً عن تفكير المجتمع.

من جانب آخر فإن أهمية الأصوات الداعية إلى التعامل الإيجابي مع المصالحة الفلسطينية تتمثل في أن هذه الأصوات ذاتها يمكن أن تكون دافعاً للحركة في اتجاه السلام مرة أخرى وبشكل أقوى، فضلاً عن استثمار هذه الاتجاهات من أجل تنمية تيار السلام داخل إسرائيل وإنضاج المجتمع الإسرائيلي للوفاء بمتطلبات السلام في إطار حل الدولتين الذي يحظى بتأييد دولي واسع.

وبغض النظر عن كل ما يجري في إسرائيل، وما تقوم به حكومة نتانياهو، فإن النقطة بالغة الأهمية تتمثل في ضرورة تنفيذ اتفاق المصالحة الفلسطينية بشكل يعيد اللحمة إلى الصف الفلسطيني ويتجاوز الآثار السلبية العديدة التي حدثت خلال السنوات الماضية. ويظل السؤال هو إلى أي مدى ستنجح حماس وفتح في تحقيق ذلك على الأرض، خاصة وأن هناك من داخل إسرائيل من يراهن على إمكانية حدوث خلافات بين حماس وفتح قد تعرقل المصالحة وتؤثر على الأوضاع الفلسطينية في النهاية، وهي مراهنات تعبّر عن تمنيات إسرائيل التي انزعجت بشدة من المصالحة والتي طالب نتانياهو عباس بإلغائها