يوماً بعد يوم، وتطور بعد تطور، وحدث بعد حدث، يكتشف المراقبون والمتابعون اننا نعيش في بلد ميزته الهشاشة، في الماضي القريب كان يُقال عنه إنه بلدٌ ممسوك ولكن غير متماسك، اليوم يمكن القول إنه بلد غير ممسوك وغير متماسك على الإطلاق.

الدليل على صدق هذا الإنطباع وانه في محله هو غياب مركزية القرار وتغييب دور المراجع، فأين القرار اليوم؟
ومَن يتخذه؟
وإذا كان مأخوذاً في السابق فمَن يتابع تطبيقه؟
وإذا حدثت مخالفات فمن يعالجها؟

إنه أسوأ وضع يمر فيه البلد ولم يسبق أن شهد مثيلاً له لا خلال الحرب ولا بعد الطائف ولا بعد الإنسحاب السوري ولا بعد اتفاق الدوحة. انه وضعٌ غير مسبوق ويدل على أزمة تتجاوز أزمة التشكيل لتصل إلى عمق الخلل في النظام. فحين أُسقِطَت الحكومة تبارى المبتهجون في تحديد المهلة التي ستُشكَّل خلالها الحكومة الجديدة، وصلت الحماسة ببعض المبتهجين إلى حد القول إن أياماً معدودة ستمر لنصل إلى الحكومة الجديدة إذ لا مماحكات ولا ثلثاً معطِّلاً ولا فريقين في الحكومة بل فريق واحد ولون واحد.

يوماً بعد يوم تبيَّن لقوى الثامن من آذار ان الإجماع والإجتماع على إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري لا يعني إجماعاً على التفاهم على تشكيل الحكومة بدليل أن ما يجري اليوم يُظهِر قوى الثامن من آذار وكأنها قوى مفكَّكة ومُشكِّكَة ببعضها البعض:

أين يقف الرئيس المكلَّف نجيب ميقاتي؟
وعلى أي مسافة يقف من حلفائه الجدد؟
بالتأكيد ليس على مسافة واحدة؟

فهو، بالترتيب، يبدو أقرب إلى الحليف الجديد زعيم جبهة النضال النائب وليد جنبلاط، ثم بعده يأتي قربه من رئيس مجلس النواب نبيه بري، أما العلاقة مع حزب الله فيبدو انها على وتيرة واحدة منذ تسميته ليُشكِّل الحكومة، وتبقى العلاقة مع العماد ميشال عون وهي الأكثر قساوة والأقل ارتياحاً، ويُسجِّل مقربون من الرئيس ميقاتي إن التعقيدات في معظمها غالباً ما جاءت من الرابية.

بعد هذا العرض، هل من إمكانية لتشكيل الحكومة وفق المعطيات التي كانت سائدة عند التكليف؟
المراقبون يجدون صعوبة في هذه الفرضية ويعتبرون أن الظروف المتسارعة في لبنان والمنطقة قد تُفضي إلى إعادة خلط الأوراق، وهذا ليس بمستغرب، أليست عملية خلط الأوراق هي السِمَة السائدة والطاغية في العالم العربي منذ مطلع هذه السنة؟