ليس من المبالغة في شيء القول بأن مجمل التطورات التي تمر بها المنطقة العربية بوجه عام، وعدد متزايد من دولها بوجه خاص، باتت تفرض، وعلى نحو واضح وسريع ضرورة الاهتمام والتعاطي مع قضايا ومشكلات ذات صلة مباشرة بحياة المواطن العربي اليومية، ومنها بالذات ما يتصل برفع مستوى معيشته وتأمين حياة مناسبة لأبنائه وللأجيال القادمة.
وإذا كانت العديد من المنظمات والهيئات العربية، ومنها جامعة الدول العربية على سبيل المثال، قد اهتمت على امتداد السنوات الستة والستين الماضية، أي منذ إنشائها عام 1945 بقضايا سياسية عديدة، وخلافات ومناكفات، وموضوعات شتى دون أن ينعكس ذلك إيجابيًا لصالح الحياة اليومية للمواطن العربي بشكل كبير، فانه أصبح من الضروري الآن، واليوم قبل الغد الاهتمام بكل ما يمكن ان ينفع المواطن العربي في حياته ومستقبله ومستقبل أبنائه.
وإذا كان من غير الممكن التغاضي عن بعض الخطوات التي تمت على صعيد العمل الاقتصادي والاجتماعي العربي المشترك، بما في ذلك عقد أكثر من قمة اقتصادية عربية، واتخاذ قرارات عديدة، إلا أن المعضلة الأساسية تكمن دوما في عمليات تنفيذ القرارات وتحويلها إلى خطط وبرامج محددة والبدء في تنفيذها على الأرض. وفي هذا المجال فان المجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي التابع لجامعة الدول العربية يقوم، أو من المفترض أن يقوم، بدور نشط وفعال كما هو مأمول في هذا المجال.
وإدراكًا من السلطنة لطبيعة التحديات التي تواجهها المجتمعات العربية، والمشكلات الظاهرة والكامنة، التي تتصل على نحو واضح بحياة المواطنين العرب ومستوى معيشتهم الآن وفي المستقبل، فإنه لم يكن مصادفة أن يدعو معالي درويش بن إسماعيل الوزير المسؤول عن الشؤون المالية إلى أهمية وضرورة من أجل استراتيجية عربية للأمن الغذائي، وإلى العناية بقضايا الباحثين عن عمل، والآثار المترتبة عليها في المجتمعات العربية، وهي آثار عديدة ومعقدة وتمتد إلى الجوانب والمجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية كذلك، وبينما أكدت السلطنة في كلمتها أمام الدورة 87 للمجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي التي عقدت أمس الأول على المستوى الوزاري برئاسة السلطنة، على أهمية مكافحة الفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية على الصعيد العربي، فإنه من المعروف على نطاق واسع ان التعاون بين الدول والمؤسسات الاقتصادية العربية هو المدخل الضروري والذى لاغنى عنه لتحقيق مثل هذه الاهداف، وذلك نظرًا لأن الامكانات العربية موزعة بين الدول العربية المختلفة وعملية جمعها وحشدها تحتاج تعاونًا وتنسيقًا وخططًا وبرامج وخطوات عملية في إطار رؤية محددة ومتفق عليها بين الاشقاء. وقبل ذلك كله وبعده تحتاج إلى ارادة سياسية قادرة وراغبة في العمل الجاد في إطار منظومة العمل العربي المشترك لتحقيق المصالح المشتركة والمتبادلة بين مختلف الدول العربية.
إن دعوة السلطنة هي دعوة عربية جادة ومخلصة من أجل إنعاش العمل العربي المشترك في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وكل المجالات الأخرى غير السياسية من أجل خدمة حاضر ومستقبل المواطن العربي على امتداد الأرض العربية، ولعل السؤال الذي يفرض نفسه هو هل ستدفع الأحداث والتطورات والتحديات التي تفرض نفسها على المنطقة الآن الدول العربية الى العمل الجاد والفعال لتحقيق حاضر مزدهر ومستقبل افضل للشعوب العربية جميعها، خاصة وانها قادرة على ذلك لو خلصت النوايا والتقت القلوب والإرادات السياسية