عكست "جمعة التحدي" في سوريا، والتظاهرات المليونية في اليمن أمس تصاعد حدة الغضب الشعبي واستحالة وأد تطلعاته أمنيا، لذلك من الضروري الخروج من المأزق الحاصل باستراتيجية جديدة تضمن لهذه الدول استقرارها وأمنها، وتحول بينها وبين النموذج الليبي الذي استحل بآلته العسكرية دماء شعبه، وتحولت الساحة السياسية هناك من ساحة للحوار بالعقول إلى ساحة للحوار بالرصاص.
في اليمن هناك مبادرة خليجية تراوح مكانها حتى الآن، والسبب في تعطيلها شكلي يتعلق بمجرد التوقيع، ولكن آفاق الحل أكثر إيجابية من مؤشرات الفشل، وفي سوريا لا توجد مبادرة خليجية، لكن يوجد نصح ودعم خليجي لأمن واستقرار سوريا، وهو الموقف الذي عبر عنه معالي الشيخ حمد بن جاسم من العاصمة الفرنسية باريس قبل يومين، عندما دعا إلى "حل سوري من الداخل"، مؤكدا وقوف قطر مع سوريا في هذه الأزمة، ومشددا على رفضها أي تدخل خارجي في هذا البلد، وهو التدخل الذي عودتنا التجارب على عدم إمكانية تخمين عواقبه. وهذه الدعوة تأكدت جدواها وتجددت مبرراتها كذلك بعد ما شهدته سوريا أمس، حيث سقط نحو 26 قتيلا بين مدني وعسكري في مواجهة لا رابح فيها ولا خاسر من الطرفين. وقد دفع هذا التطور المجموعة الأوروبية إلى فرض عقوبات شملت 14 مسؤولاً سورياً لم يتضح بعد إن كان الرئيس الأسد مشمولا بها أم لا.
ما يمكن استنتاجه من جميع زوايا المشهد السياسي العربي باختصار، عدم إمكانية الوقوف أمام موجة مد الثورات العربية وعدم إمكانية لجم مطالبها بالاصلاح، ولذلك عندما عنونت "الشرق" صدر صفحتها الأولى مع بداية تفجر الثورات العربية بمانشيت يقول: "الساحة العربية تشتعل" كنا نعي ما ستؤول إليه الأوضاع الملتهبة وقتها، والقابلة للانفجار في أي وقت، وقد انطلق عود الثقاب من تونس، ووجد ما يكفي من الزيت في مصر لإشعال باقي الساحات العربية المشتعلة أصلا ولكن تحت الرماد. والحل اليوم لن يكون إلا بالحوار من الداخل قبل فرض الأمر الواقع من الخارج.