في لحظة تاريخية، وقعت كل من حركتي فتح وحماس مع بقية الفصائل الفلسطينية اتفاق المصالحة في القاهرة التي رعت هذا الاتفاق التاريخي، بعد أربع سنوات عجاف من الانقسام وصلت إلى حد المواجهة المسلحة وطغت عليه لغة التخوين وتبادل الاتهامات والمماحكات. وتوقيع الاتفاق من قبل الرئيس الفلسطيني وزعيم حركة فتح محمود عباس وخالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، يعطيه قيمته السياسية، ويعد نصرًا للشعب الفلسطيني والأمة العربية بوجه عام، ونصرًا للحركتين بوجه خاص، فيما يعطي الاتفاق لعباس قوة الموقف والدعم المطلوب على وجه الخصوص، عبر وحدة التمثيل الفلسطيني قبل توجهه إلى الأمم المتحدة في سبتمبر المقبل لطلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية، إذ من شأن الاتفاق أن يخرس الأفواه النشاز ونعيق البوم المشككة في شرعية الرئيس عباس الذي سينادي بحق الاعتراف بالدولة الفلسطينية بصوت فلسطيني واحد موحد.

رد الفعل الإسرائيلي الذي جاء سريعًا على لسان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي وصفه بأنه (ضربة قاسية للسلام)، لم يكن مفاجئًا، بل كان متوقعًا، لأن الاتفاق في حد ذاته سيشكل عائقًا أمام المشاريع الإسرائيلية والمتمثلة في تصفية الدولة الفلسطينية وإلغاء فكرتها أساسًا من أي فكر سياسي أو أجندة دولية عبر ما يمارسه الكيان الإسرائيلي على الأرض من تسريع وتيرة الاستيطان والتهام ما تبقى من الأرض الفلسطينية، وتهويد القدس المحتلة والتخطيط لتهجير فلسطينيي 48 من داخل ما يعرف بالخط الأخضر، لتقطيع أوصال الدولة الفلسطينية وعدم إعطاء أي إمكانية لقيامها.

 وما يؤكد هذا التوجه أيضًا هو تصفية فكرة حل الدولتين (الأوبامية) وإخراس أفواه المنددين بالاستيطان من قبل حلفاء الكيان الإسرائيلي، حيث لم نعد نسمع أي نقد لسرقة الأرض الفلسطينية، إلى جانب الحملة الدبلوماسية التي سيطلقها نتنياهو لإحباط أي اعتراف بالدولة الفلسطينية، بالإضافة إلى العقوبات الاقتصادية على السلطة من عائدات الضرائب، والتأثير على الحليف الأميركي من أجل قطع المعونة. وما يؤكد حجم الفزع والغيظ والحقد الإسرائيلي من الاتفاق تشكيك يوفال ديسكين رئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشين بيت) في نجاح الاتفاق، وأن احتمال أن يؤدي إلى وصل قطاع غزة بالضفة الغربية هو صفر.

كما يكشف هذا التشكيك الخوف من الاتصال الجغرافي والسكاني بين الضفة وغزة بحيث يعزز إمكانية قيام الدولة الفلسطينية.

ويقينًا أن الإسرائيليين لن يتوقفوا عن العمل من أجل إعادة الانقسام وإثارة نعرات الاختلاف بين الشعب الفلسطيني لعرقلة الجهود نحو استرداد الحقوق الفلسطينية، ولذلك نقول:

إذا كان توقيع الاتفاق على الورق قد قطع نصف الطريق نحو الوحدة، فإن العمل على الأرض وتنفيذ بنود الاتفاق هو النصف الآخر، ولكنه الأصعب، لذا فإن المطلوب من الموقعين على الاتفاق أن ينتصروا على ذاتهم من أجل وطنهم وقضيتهم، وأن لا يعطوا سُرَّاقهم وأعداءهم فرصة إعادتهم إلى المربع الأول لأنهم سيكونون هم الخاسر، والرابح الأوحد هو عدوهم وسارق حقوقهم، وبالتالي نضع ثقتنا الكبيرة في القيادات الفلسطينية بأن تكون عند ما قطعته من تعهدات، خاصة وأننا لمسنا منهم الحماس الكبير في كلماتهم التي ألقوها، فضلًا عن أن كافة الدول العربية حكومات وشعوبًا تدعم وتؤيد هذا الاتفاق، فقد عبرت السلطنة عن ترحيبها بالاتفاق، مشيدة بالجهود الدؤوبة والمتواصلة التي بذلتها جمهورية مصر العربية في هذا الإطار، ومعربة عن أملها في أن يفضي هذا الاتفاق التاريخي إلى تهيئة المناخ المناسب لانطلاق مرحلة جديدة من العمل الفلسطيني الموحد والداعم للمصالح العليا للشعب الفلسطيني، والهادف إلى تحقيق مطالبه المشروعة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

لقد كان الرئيس الفلسطيني حازمًا وواضحًا في كلمته بأن على نتنياهو أن يختار بين الاستيطان والسلام، وهذا ما يجب أن تعمل عليه الدول العربية عبر الدعم المالي والسياسي للجانب الفلسطيني، وإقناع المجتمع الدولي بأن حجج الإسرائيليين بعدم وجود شريك فلسطيني باطلة ومردود عليها وباتت ضربًا من الماضي، لقد وجَّهَ الاتفاق ضربة قاسية ليس للاستيطان وحسب وإنما للاحتلال برمته، وهو انتصار للسلام.