ليس من المبالغة في شيء القول إن اليوم، يوم التوقيع على المصالحة الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس، هو يوم فلسطيني وعربي على جانب كبير من الأهمية والتأثير على الأوضاع في هذه المنطقة الحيوية اليوم وغداً، ليس فقط لأنه يوم المصالحة الفلسطينية الأشمل التي تتجاوز فتح وحماس إلى كل المنظمات الفلسطينية التى ستوقع الاتفاق اليوم وسط حضور عربي ودولي واسع يحمل العديد من الدلالات، ولكن أيضاً لأنه يشكل فاتحة فترة جديدة على المستويات الفلسطينية والإقليمية وبالنسبة لعملية السلام المتجمدة في الشرق الأوسط كذلك، وهو ما تتوق إليه كل دول وشعوب المنطقة.

اليوم الأربعاء، تلتقي قيادات فتح وحماس والمنظمات الفلسطينية الأخرى بالقاهرة، في حضور، وعلى مشهد من العديد من وزراء الخارجية العرب وغير العرب، ووزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي وممثلي اللجنة الرباعية الدولية للتوقيع على اتفاق المصالحة الفلسطينية، إيذاناً وأملاً في بدء العمل الجاد والصادق لبناء واقع فلسطيني جديد يتجاوز التشرذم والتقسيم، ويجمع الطاقات الوطنية الفلسطينية على صعيد واحد من أجل العمل والسعي لإنجاز الاستقلال الفلسطيني وإنشاء الدولة الفلسطينية المستقلة القادرة على الحياة إلى جانب إسرائيل. وذلك بعد نحو أربع سنوات من الانقسام الحاد بين الضفة والقطاع، وبعد أن تيقن الجميع، خاصة على الصعيد الفلسطيني أن استمرار الانقسام هو ببساطة انتحار فلسطيني يصب فقط لصالح إسرائيل وضد كل مصلحة فلسطينية حقيقية.

اليوم بالقطع هو مناسبة غير سارة بالنسبة لإسرائيل، بل إنه كارثة لها على حد قول «فاجيسلاف اجنيسيوس» مدير مكتب نتانياهو، وعلى حد قول كثيرين من القيادات الإسرائيلية الذين أعربوا عن انزعاجهم الشديد لهذه الخطوة، وتصريحات نتانياهو وباراك وليفني وليبرمان وزير خارجية إسرائيل على مدى الأيام الأخيرة تكشف عن ذلك بوضوح، بل إن البدء فعلاً في خنق السلطة الوطنية الفلسطينية في رام الله، بقطع إسرائيل لأموال الضرائب الفلسطينية التي يتم تحويلها إلى السلطة والتهديد بمزيد من الخطوات في هذا الاتجاه يعبّر عن الانزعاج الإسرائيلي الشديد من هذه الخطوة شديدة الأهمية التي طال انتظارها فلسطينياً وعربياً أيضاً.

وبغض النظر عن الجوانب الاحتفالية المحيطة بهذا الحدث المهم، فإنه من الأهمية بمكان إعطاء الأولوية لثلاثة أمور يحتاجها الفلسطينيون ويتطلبها التنفيذ الجاد للاتفاق الذي يتم إبرامه اليوم بالقاهرة، الجديدة، وهذه النقاط هي:

النقطة الأولى تتمثل في ضرورة وضوح الموقف الفلسطيني العام من عملية السلام، أي موقف الحكومة الفلسطينية الجديدة، وموقف منظمة التحرير الفلسطينية من السلام مع إسرائيل وإمكانية استئناف المفاوضات إذا التزمت إسرائيل بمتطلبات السلام وأوقفت الاستيطان قبل سبتمبر المقبل، وذلك لأن إسرائيل تؤكد في دعاياتها المضادة أن مشاركة حماس في الحكومة والمصالحة معها يعني رفض السلام بشكل مبدئي من جانب الفلسطينيين، وهو ادعاء غير صحيح على الفلسطينيين إيضاحه بأسرع ما يمكن في هذه الأيام التي تتشكل فيها رؤية العالم وموقفه من اتفاق المصالحة. وليس مصادفة أن تبدأ إسرائيل هجومها الشرس ضده.

النقطة الثانية هي البدء الفوري في التنفيذ الجاد له، وبما يوفر بالفعل الأرضية المناسبة لإيجاد واقع فلسطيني قوي ومتماسك وقادر كذلك على إعادة تحريك وحشد الطاقات الفلسطينية جميعها بما يخدم المصالح الفلسطينية، دون حسابات فصائلية وبعيداً عن التكتيكات والمناورات والحسابات قصيرة النظر من جانب أي فصيل فلسطيني.

أما النقطة الثالثة التي ينبغي إعطاؤها الأولوية أيضاً فإنها تتمثل في ضرورة الدعم العربي القوى للاتفاق الفلسطيني ولتنفيذه، ومن ثم مساعدة الفلسطينيين في تجاوز أية عقبات قد تظهر على طريق التنفيذ، والدعم العربي ليس تدخلاً ولا فرضاً من جانب العرب لرأي أو لخيار ما لا يقبله الفلسطينيون، ولكنه مساندة ودعم للتوافق فيما بينهم. وإذا تحقق ذلك فإن الاتفاق سيكون بالفعل بداية جديدة على مستويات عدة