شهدت السلطنة يوم أمس حدثين اقتصاديين مهمين تمثلا في الاحتفال بالتشغيل التجريبي للحوض الجاف في ميناد الدقم، وتدشين المرحلة الأولى من المجمع الصناعي لتكوير خام الحديد بميناء صحار الصناعي. وبهذين الحدثين يمكن القول إن سواحل السلطنة بدأت تشهد حراكًا اقتصاديًّا متناميًا، وتزف بشراها السارة في ربوع الوطن الغالي وتؤكد تأكيدًا لا يقبل الشك أن السلطنة بموقعها الجغرافي الاستراتيجي ستظل تلعب دورًا كبيرًا ورياديًّا في مجال التجارة، حيث كان لافتًا حفل التشغيل التجريبي باستقبال أول سفينتين مملوكتين لشركة (جي دي ان) البلجيكية للإصلاح والصيانة بالحوض.

 أي أن الميناء بمجرد اكتمال العمل به والذي بلغ إلى الآن 98 في المئة، سيشهد حركة نشطة وغير مسبوقة ستنعكس آثارها الإيجابية على مستقبل قرى ولاية الدقم والمنطقة الوسطى بوجه خاص والسلطنة بوجه عام، وذلك نظرًا لما سيترتب عليه من حركة عمرانية في جميع المجالات يعززها الحراك النشط في المجال الاقتصادي والسياحي والإسكاني. كما سيوفر الميناء وما يشهده من حراك العناء على سكان الولاية والمناطق القريبة، بدلًا من تجشم الأسفار باتجاه محافظة ظفار أو باتجاه محافظة مسقط. والمنتظر أيضًا من الميناء أن لا يقتصر دوره على تنشيط الحركة الاقتصادية والسياحية في المنطقة والسلطنة، وإنما فتح فرص عمل جديدة لأهالي المنطقة الوسطى وما جاورها.

 إذ من المتوقع بعد اكتمال البنية التحتية لمشروع الحوض الجاف والذي يشتمل على أرصفة بطول (2800) متر واستصلاح ساحات بمساحة (453) ألف متر مربع إلى جانب حوضين جافين بطول (410) أمتار وعرض (95) و(80) مترًا وبعمق يصل إلى (10) أمتار وارتفاع (14) مترًا، أن تتوسع مساحة الأشغال رأسيًّا وأفقيًّا لتستوعب معها مزيدًا من القوى الوطنية العاملة، حيث تؤكد شركة عمان للحوض الجاف أنها وضعت مشروعًا متكاملًا في مجال التصليح والصيانة ومسح وتأهيل هيكل السفن وما تحتاجه من تصليح وتنظيف وصبغ، وما يعزز خطوة الشركة الموقع الفريد للحوض حيث يطل على موقع يتوسط ممرين مائيين مهمين في خطوط التجار الدولية متمثلين في مضيق هرمز ومضيق باب المندب.

وإذا كان وسط هذا الوطن قد زف بشرى قرب انطلاق العمل بالحوض الجاف بميناء الدقم، فإن شماله يرد هو الآخر ببشرى سارة وتتمثل في تدشين المرحلة الأولى من المجمع الصناعي لتكوير خام الحديد التابع لشركة فالي عمان والذي تقدر قيمته الاستثمارية بـ356ر1 مليار دولار أميركي، بطاقة استيعابية سنوية تصل 5ر4 مليون طن متري، ومركز توزيع بطاقة استيعابية سنوية تصل إلى 40 مليون طن متري بالإضافة إلى محطة التخزين والمناولة.

من المؤكد أن الفائز بهذا النشاط الاقتصادي هو هذا الوطن الغالي، حيث سيعزز نهج تنويع مصادر الدخل، ما سينعكس أثره على حالة الاستقرار المعيشي والاجتماعي لأبنائه الأوفياء وتحقيق النماء والرخاء، عبر ما سيوفره من فرص عمل وسيولة مادية، واستقطاب رؤوس أموال واستثمارات وأفواج سياحية متوالية على مدار العام. لا ريب أن العامل المباشر في هذا النماء الاقتصادي يرجع الفضل فيه إلى ما حباه الله بلادنا من موقع جغرافي فريد، حيث الإطلالة على مفترق طرق تجارية بحرية مهمة تتميز بعمق مياهها.

 فضلًا عن توفر مختلف مقومات البنى التحتية الضرورية، وإلى الرؤية المستنيرة للقيادة الحكيمة وقدرتها على استشراف آفاق المستقبل واستغلال هذه المقومات بما يعود بالنفع على البلاد، خاصة وأن نشاط ميناءي صحار والدقم سيعزز اتفاقية إنشاء محور دولي للنقل والعبور (الترانزيت) والتي وقعتها السلطنة وكل من دولة قطر والجمهورية الإسلامية الإيرانية وتركمانستان وأوزبكستان في عشق أباد الأسبوع الماضي بهدف النقل والعبور المنتظم للبضائع والركاب بين دول آسيا الوسطى وإيران وموانئ السلطنة وتصدير واستيراد البضائع عبر المحور الدولي للنقل والعبور، وزيادة سرعة نقل البضائع والركاب بهدف الوصول إلى الحد الأمثل لتكلفة النقل وتعزيز كفاءة استخدام إمكانات النقل والعبور لدى الأطراف المتعاقدة.

وهكذا يحمل إلينا كل يوم من أيام مسيرة نهضتنا المباركة إنجازات توفر لنا وللأجيال القادمة عوامل الرقي والعيش الكريم على ثرى هذا الوطن المجيد.