كلما يشعر اللبناني بأن عملية تشكيل الحكومة اقتربت من خواتيمها السعيدة، كلما يطرأ تطور سياسي يعيد عملية التأليف إلى النقطة الصفر، حتى ليبدو الجميع متأكداً أن عملية التأليف لم تنضج بعد وان كل ما يجري هو حِراك لا يؤدي إلى التشكيل.
ظاهر الأمور يوحي بأن هناك مفاوضات تجري واتصالات ومساعٍ تتكثف، لكن أي عاقل يُدرِك انه لا يعقل أن تكون هناك عقدة اسمها وزارة الداخلية وان هذه العقدة استعصت على الجميع، في الداخل وفي الخارج، من دون أن يتمكن أحد من إيجاد المخرج لها.
قرابة الأربعة أشهر مرت على عملية التكليف، فهل لعاقل ان يسأل:
وهل من المعقول أن تستهلك حقيبة الداخلية كل هذا الوقت؟
للتذكير فقط فإن الذين يشكلون الحكومة اليوم هم من لون سياسي واحد ومن توجهات سياسية واحدة ولأهداف واحدة، ومع ذلك مضى على جهودهم لإنضاج عملية تشكيل الحكومة أكثر من أربعة أشهر، ومع ذلك يقول البعض ان العملية ما زالت في المربع الأول، ماذا كان سيحدث لو ان عملية تشكيل الحكومة كانت ستتم بين قوى 14 آذار وقوى 8 آذار؟
المؤكد اننا كنا سننتقل من مربع الصعوبة إلى مربع الإستحالة.
هذا الواقع من شأنه أن يطرح الحقيقة التالية:
ليس هناك من آلية واضحة لتشكيل الحكومة سوى التوافق، فإذا لم يكن هذا التوافق متوافراً فإنه يستحيل تشكيلها سواء كانت ستُشكَّل من فريق اللون الواحد أو من اللونين أو من كل الألوان. ربما ليس أوان قول هذا الكلام لكن المصلحة الوطنية تقتضي القول ان أول بند في الورشة الدستورية الإصلاحية التي يجب أن تقوم عند استتباب الأوضاع هو آلية تشكيل الحكومة وفق معايير واضحة لا لبس فيها على الإطلاق، بدءاً من الإستشارات النيابية الملزمة لتسمية الرئيس المكلف، مروراً باستشارات التأليف وصولاً إلى إصدار مراسيم التشكيل.
اليوم هذه الالية غير واضحة المعالم، فالتكليف يتم عملياً خارج الإستشارات الملزمة، والتأليف يدخل في نفق تُعرَف بدايته لكن لا تُعرَف نهايته، ولأن الحكومة هي كل شيء، باعتبار أن السلطة التنفيذية منوطة بها، فإن كل شيء يكون في عداد الشلل في حال كانت الحكومة غير مؤلفة.
تلك هي المعضلة الحقيقية التي تواجه الوضع اليوم على الصعيد الحكومي، مع الإشارة إلى أنه حتى لو تمّ تشكيلها غداً فهذا لا يعني ان المشاكل حُلَّت بل تمَّ إيجاد الآلية لحل المشاكل المتراكمة والتي قد لا يكون عمر الحكومة الآتية كافياً لحلها.
هذا الواقع يدفع اللبنانيين إلى اليأس والإحباط من ان لا شيء يمكن إصلاحه في هذا البلد.