المتتبع لمسار الثورات وانتفاضات الشعوب المتعطشة للحرية والديمقراطية يدرك أن نَفَسها أطول وتحمّلها أقوى من قمع الديكتاتوريات وضرب المدافع ودك الدبابات. لذلك تجد الثمن باهظا لأن الهدف يستحق، وصبرها عليه طويل لأنه لابد وأن يتحقق.

 وانطلاقا من ذلك يكون لزاما على كل قائد عربي في هذه المرحلة الحرجة والحساسة أن يمتلك الشجاعة على مواجهة التحديات بروح رياضية تتفهم المطالب وتستشرف المستقبل وتؤمن بحتمية التغيير، قبل أن تدور الدائرة، أو تتقلص الفرص في خانة الفرصة الأخيرة.

والدعوة للحوار والانفتاح سياسة خليجية أثمرت لصالح كل من قبلها وتقبلها بروح أخوية بعيدا عن التشنج والمكابرة، ولذلك نرى نتائجها واعدة في اليمن الذي نأمل رؤيته "سعيدا" عما قريب، حيث أكد مسؤول خليجي رفيع أن السلطة والمعارضة في اليمن ستوقعان في الرياض يوم الاثنين المقبل الاتفاق الخاص بانتقال السلطة استجابة للمبادرة الخليجية، وأوضح المسؤول الخليجي أن "وفدي السلطة والمعارضة سيوقعان الاتفاق خلال حفل في الرياض".

 وسيسجل هذا النجاح ليس باعتباره نجاحا خليجيا يحسب لدول مجلس التعاون فحسب، بقدر ما هو نجاح كذلك لأطراف الأزمة في اليمن الذين استمعوا لصوت العقل، واحتكموا لنداء الحكمة، بدل اللجوء إلى اختبار القوة ومنطق الفوضى.

التجربة الخليجية في اليمن قابلة للتطبيق في أي بلد عربي يستعد نظامه للحوار مع شعبه، بشرط أن يكون نظاما لا يفكر بعقل القذافي، ولا يوجه الاتهامات دون أدلة كنظام الأسد، ودول التعاون جديرة بأخذ زمام المبادرة انطلاقا من مكانتها في قلب محيطها العربي، واستراتيجيتها السياسية الداعية إلى نهج الحوار والتعاطي الايجابي مع المتغيرات العربية دون السماح للأيادي الخارجية باستغلال الموقف وتوجيهه وجهة أخرى.

وهنا جدير بالتذكير أن "قطر الحرية" في عصر الثورات هي "قطر الديمقراطية" في زمن الدكتاتوريات، فقد كانت البلد العربي الوحيد الذي نذر نفسه لمواجهة الأزمات العربية المستعصية سواء في لبنان أو السودان أو اليمن، وهي البلد العربي الوحيد الذي وقف مع سوريا عندما اتحد العرب والغرب ضد نظام الأسد بعد اغتيال الحريري.