إذا لم يكن لبنان بلداً خدماتياً فماذا يكون؟
لا هو بلد نفطي ولا هو بلد مواد أولية ولا هو بلد صناعي ولا هو بلد زراعي حيث الزراعة لا تكفي استهلاكه المحلي، إذا ماذا (يبيع)؟
ازدهار البلد قام منذ ستينيات القرن الماضي على الخدمات، أي كل أنواع السياحة التي تبدأ بالإستقرار لتتوسع وتشمل سائر نواحي السياحة، فكان السياح يجدون في لبنان ما لا يجدونه أحياناً في أوروبا.
ذاع صيت البلد، كما يُقال، وليس مبالغة القول إن السمعة الحسنة للبلد هي التي جعلت هذا التدفق من السياح يزداد.
أين نحن اليوم من هذه السمعة وهذا الصيت وهذه الصورة الحسنة للبلد وهذه الميزة على انه بلدٌ خدماتي؟
للأسف الشديد لم يعد لدينا شيء من هذا أما الأسباب فمتعددة لعل أولها الإستقرار:
السمعة هنا ضرورية جداً وأساسية جداً، فكيف يأتي سائح إلى بلد فيه خطفٌ للأجانب؟
كيف يأتي سائح إلى بلد فيه استخدام للسلاح في الداخل عند كل مفصل سياسي هام؟
هذا عن انعدام الإستقرار فماذا عن الخدمات بمعناها المباشر؟
هل على السائح أن يأتي إلى لبنان حاملاً معه مولد الكهرباء الخاص به؟
هل عليه أن يستخدم الخليوي الذي يحمله من بلده لأن خدمات الخليوي في لبنان تسوء يوماً بعد يوم؟
المعادلة اللبنانية والمفارقة اللبنانية واضحة وسهلة ولا تحتاج إلى تفسير واجتهاد:
طالما ان هناك صيفاً وشتاءً في المساءلة والمحاسبة فليس بالإمكان بناء وطن، فحين يكون بالإمكان تطبيق القانون في منطقة وتعذر تطبيقه في منطقة أخرى، فكيف يمكن إقناع العالم بأن لدينا بلد يتساوى فيه الجميع أمام القانون؟
لقد نجح البعض في شل البلد حين أسقط الحكومة بقوة الإستقالات التي طلبها من وزرائه، ونجح في الإمعان في شل البلد حين تمادى في أخذ الوقت لتشكيل الحكومة الجديدة، وعلى مدى الشهور الأربعة بين إسقاط حكومة وعدم تشكيل حكومة جديدة عادت الأوضاع في البلد، في بعض جوانبها، إلى ما كان الناس يعيشونه في المرحلة التي سبقت عودة السلم الأهلي:
فمنذ متى لم نعد نسمع بخطف الرهائن؟
ومنذ متى لم نعد نسمع بتصدي مواطنين للقوى الأمنية؟
إن هذا الشعور بالتفوق على الدولة قد يؤدي بصاحبه في مرحلة من المراحل إلى حالة من الزهو والإعتداد بالنفس، لكن من المفيد تذكير هؤلاء ان الوطن كالسفينة فإذا تسبب أحدهم في إحداث خرق فيها فإن الغرق سيصيب الجميع بمن فيهم الذي تسبب في إحداث الخرق، ولعل هذه الحقيقة يجب أن تكون مفهومة من الجميع قبل فوات الأوان.