كان الكثيرون على ثقة بأنه ستتم محاسبة المسؤولين عن كارثة جدة، معتمدين في ذلك على معطيات المرحلة، وحرص خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز على مكافحة الفساد بكل أشكاله، فضلا عن وضوح لغة الأمر الملكي القاضي" بإحالة جميع المتهمين في القضايا التي لها علاقة بفاجعة سيول جدة إلى هيئة الرقابة والتحقيق وهيئة التحقيق والادعاء العام، كل فيما يخصه بعد استكمال قضاياهم من جهة الضبط الجنائي".
وشكك القلة في استكمال إجراءات المحاسبة، معتمدين على أن الإجراءات التي تلي حدوث الكوارث مباشرة تكون مدوية وصادمة، إلا أنها تضعف مع الزمن، فتخف سرعة سير إجراءاتها إلى الأمام، غافلين عن أن لغة الأمر الملكي القاضي بتشكيل "لجنة تقصي الحقائق"، لم تكن تحتمل غير التنفيذ بأقصى سرعة ممكنة، وأن ذلك الأمر الكريم المتوج بجملة "كائناً من كان"، يعد منعطفاً تاريخياً باتجاه الشفافية، ومكافحة الفساد، والحفاظ على مقدرات الوطن، وحقوق المواطنين.
أمس، انتهت التكهّنات، وأدرك المختلفون حول هذه القضية أن الأوامر الملكية لا يمكن إلا أن تنفذ، وانتصر الرأي القائل إن المحاسبة آتية لا محالة.
وإن ما كان يتوهمه البعض تأخيرا، لم يكن إلا تدقيقاً وحرصاً على تحديد المسؤوليات، وسلامة الإجراءات القانونية التي تتسم بالدقة والتعقيد، حيث صرح مصدر مسؤول بوزارة الداخلية بأن الجهات الأمنية المختصة، باشرت إجراءات الاستدلال في المسؤولية عن الأضرار التي نتجت عن سيول جدة، وذلك في ضوء نتائج تقرير "لجنة تقصي الحقائق"، حيث أسفرت تلك الإجراءات عن إحالة محاضر استدلال تشمل 302 شخص و 30 شخصية اعتبارية، إلى الجهات المختصة لمباشرة إجراءات التحقيق معهم وتحديد المسؤولية الجنائية والإدارية.
إنها سيادة العدل، وإحقاق الحق، حيث الإرادة القوية، والإصرار على استهداف الفساد المالي والإداري، ومواجهته مواجهة مباشرة، من أجل مستقبل الوطن، دون الخضوع للعواطف، أو خلق المبررات.