تطوير العلوم الفقهية مهمة تحتاج الى مقدار كبير من العلم والشجاعة أيضا في مواجهة تراكمات من الاجتهادات التي جاءت في سياقات زمنية بعينها ومواكبة لأحداث وظروف سياسية واجتماعية محكومة بزمان ومكان محددين.
ولأن الإسلام جاء للناس كافة وبأحكام صالحة لكل زمان ومكان، ولذلك فباب الاجتهاد فيه مفتوح، لكل عالم بأصوله وأصول اللغة التي نزل بها الذكر الحكيم وسجلت بها الأحاديث النبوية الشريفة كمصدرين أساسيين للتشريع وللهداية الى الطريق القويم في شؤون الدنيا والدين معا.
فإذا كانت شؤون الدنيا متغيرة، لذلك فهي بحاجة الى عقول قادرة على الاجتهاد في النصوص على نحو لا يتجاوز ثوابت صحيح الإسلام وفي نفس الوقت لا يجمد عند تأويل وتخريج للنص عند مكان أو زمان معينين دون تجاوب مع المتغيرات.
إنه عبء كبير بالفعل تنوء به كواهل العلماء والفقهاء، مع تسارع حركة الحياة وتعقدها ومستحدثاتها التي لم يرد لها تفسير واضح او نص محدد، وهنا يأتي دور علمائنا الأفاضل في حمل هذه الأمانة المقدسة عبر ندوات متوالية تحمل عنوانا واحدا هو (تطور العلوم الفقهية في عمان).
وينهض من خلال الدورات المتعددة للندوة والتي بلغت عشر دورات حتى الآن علماء وباحثون من السلطنة والعديد من بلدان العالم الإسلامي بالتدقيق في التراث الفقهي الضخم لأمتنا الإسلامية على نحو يراعي أهمية المتغيرات التي طرأت على عصرنا الحاضر.
وقد خرجت الدورة العاشرة من الندوة والتي اختتمت امس في مسقط بعديد من التوصيات التي أكدت على أهمية دراسة الفقه المقارن بالنظر الى تداخل اجتهادات المدارس الفكرية المختلفة حتى يمكن التوصل الى اتفاق فقهي بشأن متغيرات العصر وقضاياه المستجدة، في إطار من الرجوع الى مصادر الشريعة وقواعدها وضوابطها العامة. وفي محاولة أيضا لتنقية فقه المذاهب من الآراء التي لا تلائم العصر في إطار من سماحة الإسلام ووسطيته أيضا.
ومن التوصيات المهمة دعوة علماء الفقه الشرعي وعلماء القانون للاجتماع لصياغة اللوائح المنظمة للعمل في القضايا المتغيرة وما يرتبط بالمعاملات المالية والأطر السياسية في ثوبها الحديث وترتيب الأحكام الشرعية والتسلسل الهرمي للقيم، وقائمة الحلال والحرام مع النأي عن التفريعات والأخذ بالمصالح المرسلة كمنهج للوفاء بحاجات الناس المعاصرة، والنوازل التي تلم بالمسلمين وتقديم الأحكام الشرعية فيها بما يحفظ الصالح العام للأمة المسلمة.
حقا إنه عبء كبير، لكن علماءنا الأفاضل يقومون به من منطلق الشعور بالمسؤولية عن إحداث هذه الموازنة الدقيقة بين الاجتهادات والمناهج ومسايرتها لروح العصر، ولطبيعة العلاقات بين الافراد والجماعات والدول في كافة الأحوال مع الربط بهوية الأمة ومظلة الشريعة.
ومن الضروري الإشارة الى ذلك الجهد والاهتمام الذي تبديه السلطنة في هذا الشأن، حيث تحرص بلادنا على تعزيز أركان الفكر الإسلامي وتعمل بدأب لجسر الهوة بين المذاهب الإسلامية وتؤسس لمنهج فكري وفقهي متسامح ومتماشٍ مع روح العصر استلهاما لروح الإسلام.