في الوقت الذي تتابع فيه اسرائيل بكثير من القلق والترقب التطورات الكاسحة التي تحدث في أرجاء المنطقة العربية، والتي أدت إلى تغييرات على جانب كبير من الأهمية في الحاضر والمستقبل أيضا، فإن حكومة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو عملت بشكل واضح ومتواصل من أجل استمرار انتهاكاتها الاجرامية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك شن الغارات الجوية وعمليات القصف للعديد من المواقع العسكرية والمدنية الفلسطينية في قطاع غزة، وحشد القوات الاسرائيلية حول القطاع استعدادا لإمكانية شن عمليات عسكرية واسعة النطاق بمجرد تلقي التعليمات السياسية بذلك.

وإذا كانت حكومة نتانياهو قد أعلنت أنها لن تتردد في شن عمليات عسكرية أقوى ضد الفلسطينيين، كما ترددت دعوات عديدة داخل اسرائيل لاجتياح قطاع غزة، تحت دعوى وقف عمليات إطلاق الصواريخ ضد المستوطنات الاسرائيلية، فإن التفاهم الذي توصلت إليه حركة حماس والحركات والفصائل الفلسطينية الأخرى في قطاع غزة بشأن العودة إلى التهدئة مع إسرائيل، هو في الواقع تفاهم وقرار ناضج، خاصة في الظروف الراهنة. ليس فقط لأن إسرائيل تبحث عن أي مبررلشن هجماتها وعدوانها ضد الفلسطينيين من ناحية، ولكن أيضا لأن إسرائيل تريد استغلال الظروف العربية الراهنة لتوجيه ضربة شديدة للفلسطينيين في قطاع غزة وللحيلولة عمليا دون الدخول إلى مرحلة استعادة الوحدة الفلسطينية مرة أخرى والتي ترددت الأنباء حول عودتها إلى السطح بقوة في الأيام الأخيرة. ومع أن اسرائيل لا تحتاج مبررا عندما ترى أن من صالحها شن عدوان جديد، إلا أنه من المهم عدم تقديم ما يسهل الأمر بالنسبة لإسرائيل على أي نحو.

جدير بالذكر أنه من المهم والضروري التأكيد على أن المنظمات الفلسطينية في قطاع غزة أوضحت أن التهدئة مع إسرائيل لا تنفي ولا تمنع على أي نحو الفصائل الفلسطينية من الرد على الاعتداءات الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، وبالشكل الذي تفهم منه إسرائيل أن اعتداءاتها لن تمر دون رد أو بدون عقاب، حتى وإن كان ميزان القوة هو في النهاية لصالح إسرائيل على الصعيد العسكري بكل مستوياته، وهو ما جرى ويجري منذ أمس الأول الجمعة.

على أي حال فإنه مع الوضع في الاعتبار أن الاعلان من جانب حركة حماس عن استمرار التهدئة في قطاع غزة لن ينهي العدوان الاسرائيلي وتكراره عندما تقرر اسرائيل ذلك، إلا أن التهدئة الفلسطينية في هذا الوقت بالذات تشير إلى إدراك الفلسطينيين لطبيعة التطورات في المنطقة، وما تحمله من تأثيرات إيجابية، وإن كانت ليست خالية من سلبيات بالنسبة للقضية وللشعب الفلسطيني أيضا بشكل أو بآخر، خاصة على المدى القصير. ومن هنا تحديدا فإنه من المأمول أن تعود حالة التهدئة في قطاع غزة وأن تسمح بالسير بخطى حثيثة نحو استعادة الوحدة وتحقيق المصالحة الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس، لأنها أصبحت بالفعل ضرورة حيوية بالنسبة للحاضر والمستقبل أيضا. وأيا كانت نقاط الخلاف بين حركتي فتح وحماس، وهي نقاط تمت مناقشتها مؤخرا في رام الله عندما استقبل الرئيس الفلسطيني وفد حركة حماس، فإن استعادة الوحدة الفلسطينية هو في الواقع من أهم أسلحة المواجهة والدفاع الفلسطيني ضد اسرائيل، فإلى متى يتم تجميد هذا السلاح المؤثر؟ ولصالح من يحدث ذلك؟.