لا خلاف ان رياح التغيير التي تعصف بالمنطقة، وتداعياتها الخطيرة، في العديد من الدول الشقيقة، تستدعي موقفاً عربياً فاعلاً وقادراً على التعامل مع هذه المتغيرات، وترشيدها، والمساهمة في تجنيب الدول الشقيقة، حالات الاستعصاء التي وصلت اليها، وما أدت اليه من سفك للدماء، وانتهاك للحرمات، وتبديد للمقدرات، كما يحدث الآن في ليبيا الشقيقة، فيما الاوضاع في اليمن السعيد مرشحة للتفاقم.. آملين ان لا تحذو حذو ليبيا.

لقد ثبت ان القرار العربي بحظر الطيران في سماء ليبيا، ليس بكاف، ويستدعي المتابعة لحماية الشعب الشقيق من المذابح والمجازر التي اقترفها ويقترفها نظام العقيد القذافي، أو لجهة عدم اخضاع هذا القرار للابتزاز الغربي، حيث بدا واضحاً في الايام الاخيرة، ان هذا القرار يخضع للمساومة، وان هذه المساومة ليست ببعيدة عن المسألة النفطية، وامكانية التسلل عبر الحاجات الانسانية خلف الخطوط الملتهبة والعودة على شكل شركات لاستغلال النفط الليبي.

ان متابعة المشهد الليبي أو بالاحرى مأساة الشعب الشقيق, يؤكد ما اشرنا اليه، ويؤكد ان القوى الغربية، او بالاحرى حلف الناتو، الذي تسلم قيادة العمليات العسكرية من واشنطن، لا يزال متردداً في حماية المدنيين العزل، فلم يقم باتخاذ الاجراءات الرادعة، للجم الآلة العسكرية الرهيبة للنظام، والتي لا تزال تحاصر بعض المدن، وقصفها بالمدفعية الثقيلة والصواريخ، وتستبيح اخرى، وقد حولتها الى مدن أشباح مثل مصراته والزاوية، فيما القتلى بالمئات، والمستشفيات غير قادرة على معالجة الجرحى الذين تكدسوا بالالاف في ممراتها، في ضوء نقص الكوادر الطبية والتمريضية والادوية.. الخ.

لم يعد السكوت العربي مقبولا وقد تحول الموقف الرسمي العربي الى مجرد «المراقب» لما يحدث، والجامعة العربية الى مجرد ناطق رسمي يردد تصريحات اقرب الى الكليشيهات، لا تقدم ولا تؤخر، فيما الاوضاع العربية، وفي العديد من الاقطار تنذر بتداعيات خطيرة جدا كما هو الحال في ليبيا واليمن والحبل على الجرار.

وفي هذا الصدد وما دام الشيء بالشيء يذكر فلا بد من التأكيد على حقيقة مهمة، وهي حق الشعوب في التعبير عن ارائها، وفي تنظيم المظاهرات والاعتصامات السلمية، وهذا ما يؤمن به الاردن، ويجسده عملها على ارض الواقع، بحيث اصبحت التجربة الاردنية وبتوجيهات جلالة الملك نموذجا في دنيا العرب يحتذى به، ودليلا على احترام هذا الحمى العربي للحريات المدنية، وحرصه على تجذير الديمقراطية والتعددية، والانحياز الى القانون، ليبقى هذا الوطن مثالا في الامن والاستقرار.

مجمل القول: ان المستجدات الخطيرة التي تعصف بالاقطار العربية، والممثلة برياح التغيير، وتداعياتها الخطيرة، كما هو واضح اليوم في ليبيا واليمن، تستدعي تحركا عربيا فاعلا، وقادرا، يقوم على احترام ارادة الشعوب وحقها في التظاهر سلميا، ورفضها اللجوء الى العنف والعمل للحفاظ على وحدة هذه الشعوب ووحدة الاوطان، واغلاق كافة المنافذ امام الرياح الصفراء.