الأزمة السياسية التي يمر فيها لبنان فريدة من نوعها ولم يسبق ان شهد مثلها بحيث تتعطل الرئاسات والوزارات والإدارات في آن واحد، فحتى في أيام الحرب والقصف وإقفال المعابر لم تتعطَل الدولة وبقيت تعمل حتى في الحدود الدنيا من تصريف الأعمال لكنها لم تتجمَّد. اليوم لا حرب ولا إقفال معابر لكن هناك تعطيل للرئاسات والوزارات والإدارات، وبكلمة واحدة:
البلد مشلول.

المشكلة اننا كنا نعتاد سابقاً على مثل هذه الأوضاع لكن مع فارق اننا حين لم نكن بخير كانت الدول العربية بخير فكانت تُشكِّل ملاذاً للبنانيين الذين ضاقت بهم سبل العيش فتوجهوا إليها، اليوم لا الوضع في بلدنا بخير ولا الأوضاع في الدول العربية بخير، فأين يكون الملاذ؟

ثمة مشكلة حقيقية، ولا أحد من المسؤولين يملك تصوراً لحلها، فالمسؤولون متلهون بإعادة إنتاج السلطة التنفيذية وكأن هذه السلطة هي التي ستُعيد ترتيب الأوضاع ومعالجة الأمور، سها عن بال الكثيرين أن الأزمة اللبنانية بلغت حداً من التعقيد بحيث لم يعد تشكيل الحكومة يؤدي إلى معالجتها.

للتذكير فقط فإن البلاد من دون سلطة تنفيذية ليس منذ شهرين فقط بل منذ ستة أشهر، هل يذكر اللبنانيون أن مجلس الوزراء لم يعد ينعقد منذ الخريف الماضي بسبب رفض قوى الثامن من آذار البت بأي بند قبل البحث في بند الشهود الزور؟

منذ ذلك الحين شُلَّ مجلس الوزراء ومعه كل السلطة التنفيذية، ثم جاء إسقاط الحكومة بالطريقة التي تمت فيها ليُعطي انطباعاً بأن تشكيل الحكومات من الآن فصاعداً لن يحدث إلا مع الثلث المعطل بحيث يكون متاحاً إسقاط الحكومة حين تُقرر قوى الثامن من آذار ذلك.

انطلاقاً من هذه المعطيات، سواء كان هناك تشكيل حكومة في المدى المنظور أو ليس هناك تشكيل حكومة فإن الوضع لن يتغيَّر كثيراً وذلك للأسباب والإعتبارات التالية:

لم يعد الشعب اللبناني يعتمد على السلطة أو على القطاع العام فيها، لقد تخلى عن هذا الإعتماد وهذه الإتكالية من وقت طويل وبالتحديد منذ أصبحت هذه السلطة عبئاً عليه أو أداة تعطيلية لأعماله ومصالحه وشؤونه، معظم مصالح المواطن يُسيرها من دون الدولة ولا سيما في الشؤون الخدماتية، فالخليوي قطاع خاص، ومولِّدات الكهرباء قطاع خاص واستهلاك المياه في معظمه قطاع خاص، فعلى ماذا يعتمد المواطن ليشعر بأنه يحتاج إلى الدولة؟

هذه الحقائق يجب أن تأخذها الدولة بعين الإعتبار لتُدرِك أن المواطن لم يعد ينتظر على أحر من الجمر تشكيل الحكومة، فهو لم يعد يهمه ما إذا كانت ستُشكَّل أو سيتعثر تشكيلها لأن الأمر أصبح سيان عنده؟