مرة اخرى، بعد ان بدأت القوى الغربية باللجوء الى القوة العسكرية ومهاجمة اهداف ومواقع في ليبيا بعد ان دفعت مجلس الامن لاستصدار قرار تحت الفصل السابع لميثاق الامم المتحدة، وتحت شعار «انقاذ الشعب الليبي وحقه في الحرية»، مرة اخرى فان هذه القوى تثبت مدى الازدواجية التي تتسم بها سياساتها في تعاملها مع القانون الدولي وقضايا الحرية والديمقراطية في العالم.

نحن هنا لسنا بصدد الحديث عن تداعيات التدخل العسكري في ليبيا ولا عن مدى جدوى ازالة نظام حكم اتسم بالشمولية والفردية وتقييد الحريات وتنصيب جماعات معارضة مكانه، ولكن ما يهمنا بهذا الشأن هو مبرر اللجوء الغربي للقوة وربط ذلك بشعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الشعوب في تقرير مصائرها . خاصة واننا قبل اسابيع قليلة فقط شهدنا الولايات المتحدة الاميركية تعطل قرارا دوليا لم يرق الى حد استخدام القوة لفرض ارادة المجتمع الدولي على اسرائيل المتمردة على القانون الدولي. بل ان ذلك القرار استهدف ادانة الاستيطان غير الشرعي الذي تقوم به اسرائيل في الاراضي المحتلة بما يتناقض مع القانون الدولي ومع رغبة المجتمع الدولي في ارساء حل الدولتين بعد انهاء الاحتلال الاسرائيلي لهذه الاراضي.

كما ان نفس القوى الغربية لم نر ايا منها يسعى الى دفع مجلس الامن الدولي الى اتخاذ قرار يدين اسرائيل أو يبيح اتخاذ اجراءات ضدها بموجب الفصل السابع لانهاء احتلالها غير المشروع رغم ان العالم اجمع شهد انتفاضتين شعبيتين فلسطينيتين استخدمت فيهما اسرائيل احدث الاسلحة براً و جوا وبحرا ضد مدنيين عزل ما ادى الى استشهاد وجرح الالاف من الفلسطينيين وخلف دمارا هائلا. كما ان أيا من هذه الدول لم تسارع الى حماية المدنيين العزل ولم تسارع الى حماية حق الشعب الفلسطيني في الحرية في مواجهة آلة الاحتلال الاسرائيلي الحربية.وبالمقابل شاهد المواطن العربي كيف كانت القوى الغربية تتملق اسرائيل وتساومها وتحميها في المحافل الدولية مما شجع اسرائيل على المزيد من الغطرسة والمضي قدما في ترسيخ احتلالها واستيطانها وصولا الى تعطيل ونسف عملية السلام التي بادر المجتمع الدولي لها.

والسؤال الذي يطرحه كل فلسطيني وعربي اليوم على نفس القوى الغربية ألا يحق للشعب الفلسطيني الذي يناضل منذ عقود من اجل كرامته وحريته ورفع الظلم عنه وانهاء القمع والاضطهاد والاحتلال الاسرائيلي، ألا يحق له ان يقف المجتمع الدولي الى جانبه باجراءات وقرارات حازمة كتلك التي اتخذتها ضد ليبيا؟

علما ان ضحايا الاحتلال الاسرائيلي على مدى عقود تفوق بما لا يمكن مقارنته بالضحايا الذين سقطوا في ليبيا وعلما ان الشعب الفلسطيني يتعرض لاحتلال اجنبي غير مشروع من قبل دولة عضو في الامم المتحدة وقامت واستمدت شرعيتها اصلا على اساس قرار التقسيم؟!

ألا يحق للشعب الفلسطيني ان يسمع من نفس الدول الغربية ما يفيد انه حماية للمدنيين الفلسطينيين وحقهم في الحرية والحياة مثل باقي شعوب الارض فان الوقت قد حان كي تنهي اسرائيل احتلالها غير المشروع وتمكين الشعب الفلسطيني من التعبير عن ارادته الحرة وتقرير مصيره، واتخاذ الاجراءات الكفيلة بتحقيق هذا الهدف اذا لم تذعن اسرائيل؟!

تساؤلات عدة نطرحها اليوم على الرئيس الاميركي وزعماء اوروبا الذين باسم نفس الحرية حركوا الاساطيل والطائرات الحربية واستصدروا قرارات العقوبات ضد ليبيا علما ان اسرائيل تحتل اراضي الغير بالقوة وبصورة غير شرعية منذ عام ١٩٦٧ وتمارس فيها مختلف الانتهاكات الفظة وتعطل قرارا دوليا بعودة اللاجئين المشردين في منافي الشتات ولا زالت تواجه السعي الفلسطيني نحو الحرية والاستقلال بالقوة المسلحة ولا زالت تتجاهل كافة القرارات الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية؟

وهي تساؤلات مطروحة ايضا امام ساركوزي وبرلسكوني وقادة بريطانيا وباقي دول الاتحاد الاوروبي اضافة الى كندا واستراليا، فالحرية لا تتجزأ والشرعية لا تتجزأ وحق الانسان في العيش بكرامة لا يتجزأ والديمقراطية لا تتجزأ، أم أن اللجوء الى القوة سيبقى من نصيب الشوب العربية وانظمتها ولا تحكمه سوى لغة المصالح بعيدا عن منطق الشرعية الدولية ومبادىء الحرية وحقوق الانسان؟!