يعتبر غياب الحريات العامة ، وسيطرة سياسة البطش والقمع والكبت ، وما تفرزه من فساد وافساد ، واهدار لحقوق المواطنين ، وكرامتهم ، السبب الرئيس في انفجار ثورات التغيير التي ضربت تونس الخضراء ، ووصلت تداعياتها الى أغلبية الدول العربية.
ان إلقاء نظرة فاحصة مدققة على المشهد العربي ، تؤكد ما اشرنا اليه ، وتؤكد ان بعض الانظمة ، وخاصة نظام القذافي ، لا ترفض مبدأ الحريات العامة ، وحرية التعبير ، التي هي حق لكافة البشر ، كفلته الدساتير الوضعية والأديان السماوية فقط ، وانما تنكر على الشعب الشقيق حقه في التظاهرات والاعتصامات السلمية ، وتصر على مواجهة هذه التظاهرات بالقوة العسكرية ، فقصف المدن والقرى والشوارع ، بالطائرات والدبابات والمدفعية الثقيلة ، على اعتبار "ان من لا يحب القذافي لا يستحق الحياة".
ان استعراض توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني ، الى الحكومة ، وخلال لقاءاته الفعاليات السياسية والحزبية ، والنقابية ، والنسائية والاقتصادية مؤخرا ، يؤكد حرص جلالته على توسيع هامش الحريات العامة ، وحرصه على احترام حقوق الانسان ، وعلى حق المواطنين في التعبير عن آرائهم ، وقناعاتهم وعلى حقهم في تنظيم مسيرات ومظاهرات واعتصامات سلمية ، ومن هنا كانت توجيهاته للأمن العام بضرورة الحفاظ على هذه المسيرات وحماية المواطنين وتقديم كل عون ومساعدة للمتظاهرين ليعبروا عن آرائهم بكل حرية وشفافية ، ما يؤكد تميز التجربة الاردنية الديمقراطية ، وأصالتها ، ووعي المعارضة لأهمية الالتزام بالقوانين والانظمة ، والحفاظ على الممتلكات العامة ، لقطع الطريق على كل من تسول له نفسه الاساءة الى هذه المسيرات الحضارية.
ومن ناحية اخرى ، نجد لزاما التذكير بتأكيدات جلالة الملك بأن سقف الصحافة هو السماء ما دامت هذه الصحافة ملتزمة بالموضوعية والنزاهة ، وتتصرف بمنتهى المسؤولية ، وبعيدة عن استغلال منبر السلطة الرابعة للاغراض الشخصية ، والمنافع الذاتية ، والاثارة الرخيصة ، والاساءة للآخرين.
وفي هذا الصدد ، فان حرص جلالة الملك على تجذير الحريات الشخصية يتجلى في دعواته للحكومة بضرورة تشريع قانون انتخابات عصري ، يمثل كل الاردنيين ، ويجسد توافق كل الوان الطيف السياسي ، وتعديل القوانين الناظمة للحريات الشخصية ، وخاصة الاجتماعات العامة ، والمطبوعات والنشر ما يمهد الطريق الى حياة سياسية جديدة ، تشكل رافعة حقيقية لانجاز اصلاح حقيقي شامل ، يخرج الحالة السياسية من مربع المراوحة والانتظار ، الى مربع العمل والتطوير والتحديث والابداع.
مجمل القول: ان سر الامن والاستقرار الذي ينعم به هذا الحمى العربي ، في وسط منطقة تمور بالزلازل والفتن ، هو سياسة جلالة الملك وتوجيهاته الى الحكومات بضرورة احترام حقوق المواطنين ، والحفاظ على حرياتهم الشخصية ، وحقهم في المظاهرات والاعتصامات السلمية ، والتعبير عن آرائهم بكل حرية وشفافية ، وهذا ما تأكد خلال الاسابيع الاخيرة ، اذ أصبحت عمّان مثالاً لحالة عربية متميزة في حرص الحكومات على حماية المظاهرات وحرصها على تعزيز الديمقراطية ، وتعزيز الحريات الشخصية في الوقت الذي تغرق فيه بعض الاقطار العربية في الخوف والدم.
حمى الله الاردن وقائد الاردن.