في الوقت الذي تسير فيه النهضة العمانية الحديثة نحو غاياتها المنشودة المتمثلة في تحقيق حياة كريمة للمواطن العماني، اليوم وغدا، وضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة، فإن هدف بناء دولة عصرية على هذه الأرض الطيبة شغل دوما تفكير واهتمام وعناية حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – منذ انطلاق مسيرة التنمية والبناء.

وعلى امتداد السنوات الأربعين الماضية كانت كل الخطوات والبرامج والخطط التنموية، اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا أيضا تسير نحو تحقيق هذا الهدف الوطني بالغ الأهمية، والحمد لله نعيش الآن في ظل هذه الدولة العصرية، وتحت راياتها الخفاقة بقيادة جلالته – أبقاه الله.

وإذا كان من المعروف ان الدولة العصرية التي حرص جلالته على ارساء قواعدها، وإعلاء بنيانها، هي دولة المؤسسات، بمعنى الدولة التي ترتكز في إدارتها ورسم سياساتها وتنفيذ برامجها على عمل المؤسسات المختلفة وعلى التعاون الوثيق فيما بينها، فإنه يمكن القول إن ما تم إنجازه في هذا المجال هو بالقطع ليس يسيرا.

 نعم كانت البداية من الصفر قبل أربعين عاما، وكنا «فقراء في كل شيء» كما قال جلالته – حفظه الله ورعاه – ولكن كنا نملك الإرادة القوية والرؤية الواضحة لما نريد تحقيقه والأولويات الضرورية والسبل الملائمة لتحقيق ذلك، وهي الرؤية التي حدد ملامحها جلالة السلطان المعظم، وبذل ولا يزال يبذل جلالته الكثير الكثير من التفكير والجهد والوقت من أجل تحقيق كل ما يتطلع اليه المواطن العماني، في إطار الإمكانيات المتاحة، وحسب الأولويات التي تفرضها مصالح الوطن والمواطن في كل مرحلة من مراحل التنمية الوطنية، لأنه كما هو معروف فإن الإمكانيات الوطنية معروفة ومحددة بدقة في كل المجالات، كما أنها معلنة أيضا على كل المستويات.

 وعلى ذلك سارت وتسير عمليات التنمية والبناء وفق الخطط التنموية الخمسية، التي بدأت الخطة الثامنة منها (2011 – 2015) مع بداية هذا العام، بعد مشاركة مجلس الشورى ومجلس الدولة في اعداد مشروع الخطة، الذي تمت مناقشته وإقراره من جانب مجلس الشورى قبل إصدار المرسوم الخاص بالتصديق على الخطة والبدء في تنفيذها.

ومع الوضع في الاعتبار ان النظام الأساسي للدولة قد حدد، وعلى نحو واضح اختصاصات ومهام مختلف مؤسسات الدولة، وفي إطار المبادئ الموجهة لسياسة الدولة في المجالات المختلفة، وفي مقدمتها مبدأ حكم وسيادة القانون، فإنه من المعروف إلى حد بعيد ان القضاء العماني المعروف بنزاهته وعدله قد توفرت له كل السبل والوسائل التي تحقق استقلاليته، وتعينه على تحقيق ونشر ميزان العدل في ربوع هذه الأرض الطيبة، مع التأكيد على عدم التدخل في شؤون القضاء على أي نحو، بل وتجريم هذا التدخل إذا حدث، ومن خلال القانون.

يضاف إلى ذلك ان جلالة السلطان المعظم عمل من أجل استكمال منظومة القضاء العماني، وتحديثها وتدريب كوادرها على أعلى المستويات، وكان المرسوم الخاص باستقلالية الادعاء العام، الذي يمثل حق المجتمع، خطوة مهمة في هذا المجال، خاصة بعد إجراءات تيسير التقاضي وضمان قدرة كل مواطن على اللجوء للقضاء لضمان حقوقه والحصول عليها في إطار القانون.

ومما لا شك فيه اننا الآن، وعلى امتداد هذه الأرض الطيبة في حاجة ماسة إلى أعمال القانون والالتزام به والسير في إطاره ليس فقط من أجل ان تنتظم الحياة ويعود الأداء إلى سابق عهده وأكثر، ولكن أيضا من أجل ان كل ذي حق على حقه، ومن هؤلاء، بل في مقدمتهم المجتمع الذي نعيش فيه.

 فهل نتكاتف جميعا من أجل ان نعيد للمجتمع العماني القسمات والملامح التي طالما تمتع بها من أمن وأمان وتسامح وثقة واحتكام إلى القانون دون تجاوز ودون الانسياق وراء اتهامات أو شائعات لا أساس لها؟