في خضم رياح التغيير التي تعصف بالمنطقة ، منذ ان انطلقت الثورة الشعبية التونسية في 14 يناير مروراً بالثورة المصرية في 25 من الشهر ذاته ، والليبية في 17 فبراير ، نجد ان المظاهرات التي انطلقت في معظم العواصم العربية مطالبة بالتغيير والاصلاح والديمقراطية ، ومحاربة الفساد والمفسدين ، قد تعرضت في الاغلب للقمع والتنكيل من قبل القوى الحاكمة ، وبصورة مقلقة ما يؤكد أن هذه القوى غير مؤمنة بالتغيير والاصلاح ، وغير مؤمنة بحرية الشعوب وحقها في التعبير عن رأيها ، والمطالبة بحقوقها كما كفلت ذلك الدساتير الوضعية ، ما دامت هذه المظاهرات سلمية ، وما دام المتظاهرون حريصين على احترام النظام العام ، وعلى حماية الممتلكات العامة ، وهذا ما تأكد في الثورات التونسية والمصرية والليبية.

وفي هذا الصدد ، اذا ما استعرضنا الحراك الجماهيري الحاشد ، نجد المثال والنموذج الاردني في أرقى صوره ومعانيه ، في ضوء توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني ، اذ أعلن أكثر من مرة عن حق الجماهير في التظاهر السلمي ، وحقها في التعبير عن آرائها ، وهذا ما حدث ويحدث أسبوعياً ، اذ تخرج الجماهير في العاصمة وفي عدد من المدن بمظاهرات سلمية ، ترفع شعاراتها ومطالبها في ظل حماية رجال الامن العام ، الذين يبذلون كل جهد ممكن ، للحفاظ على هذه المسيرات ، وعلى حق المتظاهرين في ابداء آرائهم ، وتقديم كل التسهيلات حتى تبلغ المسيرة غايتها المنشودة ، في أجواء ديمقراطية ، تجسد حرص الجميع على التميز ، وعلى ابراز وجه الاردن الحضاري الراقي ، وعلى تجذير التجربة ، واحترام دولة القانون والمؤسسات. وهذا يدلل على عقلانية القطاع الاوسع للمعارضة لدينا .

ان ما يحدث في عدد من الدول الشقيقة يدمي القلوب ، ويؤشر على ان غياب التقاليد الديمقراطية ، وعدم احترام الدساتير المعمول بها ، والتي تؤكد على حق الانسان في الحرية ، وحقه في التعبير ، وابداء رأيه ، وحقه في التظاهر والاعتصام السلمي ، هو سبب تصاعد الأزمة ، واستفحالها ، وانفجارها كما حدث ويحدث في ليبيا الشقيقة ، إذ يصر النظام على مقارفة الجرائم وحرب الابادة ضد أبناء شعبه الأعزل ، باستعمال الطائرات والدبابات والاسلحة الثقيلة واستئجار المرتزقة ، ما أدى الى تدخل المجتمع الدولي لحماية المدنيين ، من الجرائم البشعة التي يرتكبها نظام القذافي ، ويرفض الانصياع لارادة الشعب ، واحترام قناعاته ، مخيراً ابناء ليبيا بين البقاء اذلاء تحت حكمه ، أو الحكم عليهم بالموت.

مجمل القول: لقد تميز الأردن ، وهو يستقبل رياح التغيير التي تعصف بالمنطقة كلها من الماء الى الماء باحترامه لارادة الانسان ، وحقه في التظاهر والاعتصام ، والتعبير عن آرائه وارادته بكل حرية ، فكان ولا يزال النموذج والمثال في المنطقة.. فالمظاهرات والمسيرات تجسد حرص المواطنين والمسؤولين في التعبير عن آرائهم وقناعاتهم ، ما أدى الى خلق حالة متميزة في المنطقة تؤكد عمق التجربة الديمقراطية الاردنية وتجذرها ، وتؤكد وعي المواطن ، وحرص المسؤول على حمايتها لتؤتي أكلها بإذن الله كل حين ، بفضل توجيهات جلالة الملك واصراره على تجذير دولة القانون والمؤسسات.. ليبقى هذا الحمى واحة أمن واستقرار بمنطقة تمور بالعواصف.