مطلب إنهاء الانقسام يبدو أنه مطلب الجميع :فقد سمحت حركتا "فتح" و"حماس" للشباب في رام الله وغزة بالاعتصام من أجل إنهاء الانقسام. ومن الواضح أن هذا السماح يعني بداهة الموافقة عليه من الحركتين، كما أن الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده يطالب بإنهاء الانقسام منذ اللحظة التي بدأ فيها الانقسام، وليس من يوم أمس الذي شهد الاعتصامات فقط.

والسؤال هو :ما دام الجميع يطالبون بإنهاء الانقسام، فلماذا لا ينتهي الانقسام؟

واقع الحال أن ما يشبه نوعا من عقلية الانفصال قد تبلورت هنا وهناك، مدعومة بتباين ولو شكلي في استراتيجيتي "فتح" وحماس". والمقصود بالاستراتيجية الشكلية هي ما يعرف بالمشروع الوطني الذي تتبناه حركة "فتح"، في مقابل ما يسمى بأيديولوجية المقاومة لدى "حماس". والحقيقة أن كلا من الحركتين، واستنادا إلى المصلحة الوطنية للشعب الفلسطيني، قد تخليتا عن نهج ما يعرف بالكفاح المسلح، ويعم الهدوء مختلف أنحاء الضفة الغربية وكذلك قطاع غزة. ولم تسجل أعمال عنف تذكر ضد اسرائيل منذ شهور عديدة، لا في قطاع غزة ولا في الضفة الغربية.

مرة أخرى يصبح التساؤل هو :ما دامت الحركتان قد توصلتا إلى نوع من التهدئة مع اسرائيل، فما الذي يمنع اتفاقهما على إنهاء الانقسام؟

هذا التساؤل يفترض أن يُطرح على المسؤولين في الحركتين. وربما يعود السبب إلى تبلور عقلية المحافظة على الوضع الراهن، وما فيه من مكتسبات فئوية ومظهرية ومناصب شكلية- لأن الاحتلال هو المسيطر على كل مقدرات الشعب الفلسطيني، وكل الألقاب والمناصب هي في حقيقة الأمر فارغة من أي مضمون- والأساس هو أن الانتماء لم يعد لفلسطين الوطن والشعب والقضية، وإنما تمحور حول الحركة والفصيل، ليس فقط بالنسبة لفتح وحماس، بل كذلك في ما يتعلق بسائر الفصائل والأحزاب الفلسطينية.

ولعل المقدمة الصحيحة والتمهيد لمناسب لإنهاء الانقسام هو تقبل كل حركة للحركة الأخرى، على أساس احترام الرأي والرأي الآخر. لكن ما يراه المراقبون هو أن هناك نوع من اسلوب الإقصاء ورفض الآخر. وهذا هو العائق الحقيقي أمام إنهاء الانقسام، فهناك قدر كبير من الشكوك وانعدام الثقة بين الحركتين، خصوصا في أعقاب استيلاء حماس بالقوة على قطاع غزة في العام ٢٠٠٧.

وما يؤكد هذه الفكرة هو ما وقع أمس في قطاع غزة من توترات، بشأن جدول أعمال الاعتصام لإنهاء الانقسام، وذهاب كل من الحشدين اللذين تجمعا في ميدان الجندي المجهول بعد وقت قصير كل إلى ساحة مختلفة. وهذا يعني أن القلوب ماتزال ممتلئة بالحساسيات، والحزازات القديمة الجديدة.

وإذن فلا بد من طي صفحات الماضي وتناسي المشاحنات القديمة، لأن ذلك هو البداية الصحيحة لإنهاء الانفصال، ووضع حد للإنقسام. ومن المهم التوصل إلى استراتيجية متفق عليها بخصوص المشروع الفلسطيني للمستقبل. والمفروض أن الأحداث قد أدت إلى تقارب في التوجه بين الحركتين، ولم يعد الأمر خلافا واسعا كما كان عليه قبل عشر سنوات مثلا.

وإذا التزم الجميع بأولوية الانتماء الواحد لفلسطين، وليس للفصيل أو الحركة، فهذا سيدفع جهود المصالحة خطوات كبيرة نحو الأمام.

وما يمكن استخلاصه هو أن كرة إنهاء الإنقسام هي في ملعب الحركتين الكبيرتين، وأن الشعب الفلسطيني يطالبهما بتحقيق ذلك، وعليهما العمل الجاد والمخلص من أجل تحقيق هذا الهدف الوطني الكبير، بعيداعن المصالح الفئية والشخصية، وما تبقى من "الاختلافات الاستراتيجية"، خصوصا وأن عامل الوقت لا يعمل لصالح قضيتنا في ظل الانقسام، وأن استمرار الانقسام قد أدى بالفعل إلى تراجع القضية الفلسطينية. فهل هناك من يقرأ أو يستمع؟.