ما إنْ انتهى زعيم المعارضة، رئيس حكومة تصريف الأعمال الشيخ سعد الحريري من القاء كلمته في ساحة الشهداء، حتى بدأ المغتاظون بالملاحظات التي تتناول الهامش من دون ان تتجرأ على الدخول في صلب الموضوع.

 البعض حمل المقياس وراح يقيس ساحة الشهداء، طولاً وعرضاً ليُحدد سعة المربع الواحد ثم سعتها من الجماهير المحتشدة، ليخلص إلى استنتاج ان الارقام التي أُعطيت كان مبالغاً فيها.

بعض الحاقدون انتقد كيف ان الرئيس الحريري تكلم بالعامية ولم يتكلم بالفصحى.  بعض ثالث انتقد كيف خلع سترته وربطة عنقه. مضحكة إلى حد السخرية هذه الملاحظات، فلجهة العدد، منذ العام 2005 تتكرر الملاحظة ذاتها لكن ما غاب عن أصحاب هذه الملاحظة أن المغزى هو التالي:  ستون نائباً على الأقل، يمثلون نصف الشعب اللبناني، على الأقل، قالوا لا لوصاية السلاح، ألا يستدعي هذا الأمر أن يتوقف المقصودون به عنده؟
حين كان السلاح محط إجماع اللبنانيين، لم تكن هناك مشكلة، لكن حين استُعمِل في الداخل، صار مشكلة، وعليه فمن العبث دفن الرؤوس في الرمال والقول ان الأمور بألف خير.

إن 8 آذار التي تروج أن المهرجان كان سخيفاً وتافهاً وأن موضوع السلاح يا جبل ما يهزك ريح، وأن مئات الآلاف الذين نزلوا لا يُعتَد بهم، هؤلاء يغشون أنفسهم، ولا يقولون الحقيقة وهي أن السلاح بالداخل صار عنواناً للإنقسام وليس عنواناً يُجمِع عليه اللبنانيون.

عاب بعض الحاسدون أن يخلع الرئيس سعد الحريري سترته وربطة عنقه لتظهر قميصه البيضاء لا السوداء، لكنهم نسوا أو تناسوا أن هناك فارقاً كبيراً بين أن يخلع سترته وأن يخلع مبادئه، وهي المبادئ التي سار عليها منذ العام 2005 ولم يتراجع عنها قيد أنملة.

كما عابوا أن يتكلَّم في العامية، ولم يفهموا أنها لغة الشباب ولغة التداول والتفاعل، فبأي لغة يُجرون مقابلاتهم وندواتهم وحواراتهم؟
أليس بالعامية؟

فكيف يعيبون على الآخرين استخدامها؟
ثم ألم يكن من الأجدر بهم أن يتوقفوا عند مدلول ومضمون الكلام الذي أُلقي بدل تجاوزه وتجاهله والقفز فوقه؟

كلام كثير وعميق قاله الرئيس الحريري في كلمته، وأبرز قول:
إذا اردتم، لا يوجد مستحيل، فما كان مستحيلاً منذ ست سنوات تحقق، والذين يقولون لنا أنه مستحيل اليوم سيتحقق، نحن نطلب دولة لا يحمل غيرها سلاح، وهذا ليس مستحيلاً. من المستحيل لأحد منا أن يقبل للبنان أن يقع تحت وصاية السلاح من الداخل.

هذه المليون مستحيل التي تكلَّم عنها الرئيس الحريري، هي التي يجب أن تكون موضع تقييم، وليس الملاحظات التي لا يتوقف أحدٌ عندها.