في الوقت الذي تمثل فيه بريطانيا قوة أوروبية لها وزنها ومكانتها، سواء على صعيد الاتحاد الأوروبي أو على الصعيد الدولي الأوسع، خاصة في ظل علاقاتها الوطيدة مع الولايات المتحدة، فإن بريطانيا تظل من اكثر الأطراف الأوروبية قدرة على التأثير في التطورات الخاصة بالقضية الفلسطينية، وذلك نظراً للخبرة البريطانية الطويلة في شؤون المنطقة بوجه عام وبالنسبة للقضية الفلسطينية بوجه خاص. وفي هذا الإطار فإن الخطوة التي اتخذتها الحكومة البريطانية برئاسة ديفيد كاميرون، والمتمثلة في رفع مستوى التمثيل الفلسطيني في العاصمة البريطانية لندن الى مستوى بعثة دبلوماسية، هي خطوة ليست فقط في الاتجاه الصحيح من ناحية، ولكنها ايضا خطوة ذات اهمية كبيرة فلسطينياً وأوروبياً وإسرائيلياً أيضا من ناحية ثانية.


فبريطانيا بحكم خبرتها التاريخية في الشرق الأوسط، وبالذات في فلسطين، يظل لخطواتها ومواقفها تأثير اوسع وأعمق فيما يتصل بالدولة الفلسطينية التي يتطلع الفلسطينيون الى انشائها والتي يلتقي المجتمع الدولي كله على اهمية ان ترى النور خلال الفترة القادمة كدولة مستقلة ذات سيادة الى جانب اسرائيل، وكسبيل الى حل القضية الفلسطينية والدخول بالمنطقة الى مرحلة جديدة .. وإذا كان من الطبيعي ان تشعر اسرائيل بالقلق لمثل هذه الخطوة من جانب المملكة المتحدة، سواء لما يمكن ان يترتب عليها من نتائج على الصعيد البريطاني، وما سيتلوها على الأرجح من خطوات على الصعيد الأوروبي، ولكن أيضاً لتأثير ذلك في النهاية على الصورة التي طالما حاربت اسرائيل بكل السبل من اجل اقناع العالم بها على امتداد العقود الستة الماضية، الا انه يمكن القول إن هذه الخطوة البريطانية الطيبة والمحسوبة ايضا من شأنها أن تدفع نحو السير خطوة اخرى على طريق التغلب على العراقيل والصعوبات التي وضعتها حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو التي أدت الى تجميد عملية السلام وتوقف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية منذ اواخر شهر سبتمبر الماضي.


جدير بالذكر ان وزير الخارجية البريطاني وليم هيج اكد خلال زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس ومحادثاته في لندن على اهمية وضرورة استئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية مرة اخرى، ودون ابطاء، وهي دعوة تود بريطانيا ومعها دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والدول العربية الاستجابة اليها، حتى يمكن تفويت الفرصة على حكومة نتانياهو لإضاعة الوقت والتهرب من استحقاقات السلام الذي سيحقق بالضرورة مصالح الفلسطينيين وإسرائيل والمنطقة والعالم كله من حولها، لأن السلام والاستقرار في الشرق الأوسط هو بالتأكيد مصلحة عالمية وليس اقليمية فقط.


على اية حال فإن الخطوة البريطانية التي تنطوي على دلالات عدة سيكون لها أثرها الإيجابي على الصعيد ين الفلسطيني والعربي، وبالنسبة لجهود اللجنة الرباعية وما تسعى ادارة واشنطن للقيام به لإعادة تحريك عملية السلام مرة اخرى، وليس مصادفة على أي نحو ان يفكر رئيس الوزراء الإسرائيلي ان يطرح ما اسماه مبادرة او مقترحات جديدة لتحريك عملية السلام وإخراجها من جمودها الذي اوقعها فيه ولعل مبادرة او مقترحات نتانياهو تكون اضافة لما سبق وطرحه في جامعة بار ايلان الإسرائيلية ولم يوافق عليه الفلسطينيون في حينها.