يتعين على القذافي إعمال البصر في منطقة تتغير من حوله وتتزايد فيها دعاوى «التشبيب» وإخلاء سدد السلطة والحكم بالمنطقة من رؤوس تَجاوزها الزمن، ولم تفلح في مجاراته، ولم تنجح في استيعاب متغيراته ومعطياته التقنية، ومتطلبات إدارة التنمية واستثمار المقدرات، ووأد الفساد، بعدما نجح الشباب في تونس ومصر في إلهاب جذوة ثورتين كانتا في الضمائر قبل أن تهدر بهما الحناجر، وقبل أن تتحولا إلى مطالبات لا حيد عنها.

كما يتعين على القذافي أيضا أن ينصت بوعي إلى أصوات كانت مقربة منه، وها هي تناديه الآن وتدعوه بصدق ومسؤولية وطنية بأن يحقن الدماء، ويتخذ من إحدى طريقتي جاريه (بن علي ومبارك) في التنحي عن السلطة سبيلا لتسليم حكم ليبيا إلى ثوار أوفياء لوطنهم.. كما أن هذه الأصوات استدعتها وطنيتها حسم التنازع بين الولاء للوطن، والولاء للعقيد، الذي حكم البلاد اثنين وأربعين عاما، وبعثر خلالها أموال ليبيا والليبيين، فاختارت لفورها الاصطفاف إلى جوار الثوار، لأن قيمة ذهب المبادئ أعلى وأثمن بكثير من صفيح الارتهان لسلطة تجاوزها الزمن، وتفسخت لهشاشة البنيان، ويتهاوى احتكارها للحكم.

على القذافي مطالعة ما يحدث من حوله بغير أنوية أو سادية، ليرى كيف أن الأحوال في ليبيا قد تنزلق إما إلى حرب أهلية تدمر كل شيء على الأرض، وإما تدخل أجنبي تبريري سيكون عينه على النفط الليبي وليس مصلحة ليبيا والليبيين.