حقا إنها معادلة صعبة ، إمكانية التوفيق بين بناء الاقتصاد في هيكله العام وبين تلبية رغبات الشعوب المشروعة في حق الحياة الكريمة وإذا حاول بلد التقريب بين شقي هذه المعادلة الصعبة فإنه يواجه مع الأسف انتقادات ودعائيات تؤدي إلى تعويق المسيرة الاقتصادية التي بتطويرها تتطور مستويات الحياة لكل إنسان في ذلك البلد .


ولأن العالم صار يشبه القرية الواحدة الصغيرة في حجمها لذلك فإن التكثيف الإعلامي وتداخلات السياسة الدولية يلعبان دورا كبيرا في تصعيد القلاقل في الدول التي تواجه مثل هذه الأوضاع حتى إذا وصلت الأمور إلى حد الأزمة الاقتصادية يجد الجميع نفسه في مأزق ليس فقط الدول التي تواجه الأزمة أو القلاقل وإنما أيضا الدول الأخرى القريبة منها والبعيدة .

وشيئا فشيئا ينمو شكل من أشكال التأثير النفسي على أسواق العالم وخطوط التواصل بين أركانه ويكفي فقط أن نسوق دليلا على ذلك في ارتفاع أسعار النفط وتعطل حركة النقل الجوي والبحري والبري أيضا وحين تتقطع السبل أمام الإمدادات بالمواد الأساسية من مؤن وطاقة ورؤوس أموال تتصاعد الأسعار بشكل كبير وتضطرب أركان الاقتصاد القومي والدخل الفردي معا .

وإذا أمعنا النظر في الأحداث الأخيرة في شمال إفريقيا فقط سنلاحظ مدى تأثر الاقتصاد ومن ثم تأثر الشعوب وتعذر استيفاء حاجاتها الأساسية فتضاؤل ضخ النفط من بلدان الشمال الإفريقي أربك الأسواق العالمية ثم إذا بالتهديدات للتدخل العسكري الخارجي يزيد من مساحة المأساة والخوف المصاحب لها وتجارب الماضي خاصة في منطقة الشرق الأوسط تعطي العديد من الأمثلة على أن استمرار التوتر وما يتبعه من تدخلات خارجية إنما يقضي على البقية الباقية من البنية التحتية لاقتصاد أية دولة تتعرض لمثل هذه المواقف .

ومن غرائب ردود الفعل على أنباء القلاقل أيضا أن الصورة التي تعطى من أرض الحدث تكون مبالغة في وصف ما يجري ومن ثم يتخذ الشركاء الاقتصاديون مع الدولة التي تتعرض لهذه الأحداث مواقف قد لا تستند إلى أسس موضوعية كأن توقف خطوط الإمداد أو تسرع الدول الأخرى بإجلاء رعاياها أو تحذيرهم من السفر إلى بلد معين فتكون النتيجة مزيدا من التدهور الاقتصادي وارتفاع معيار التوتر بضغط الإلحاح على توفير حاجات يصبح من الصعب توفيرها في ظل هذا المناخ المرتبك كل هذه العوامل تستلزم التدقيق من جانب وسائل الإعلام في ماهية الأحداث حتى لا تزيد التأثير النفسي على أسواق بعيدة أو قريبة بما يحمل ذلك من مضار يمكن تجنبها مع توخي الدقة والمصداقية في الطرح ومع سعي المجتمع الدولي إلى التخفيف من معاناة بؤر التوتر وليس زيادتها اشتعالا وقبل كل ذلك مع عقلانية سياسية في داخل الدول تؤدي إلى اتخاذ خطوات استباقية لاحتواء مسببات تلك القلاقل قبل اندلاعها .