المقارنات تنفع أحياناً:
حين انتهت الإنتخابات النيابية الأخيرة وأفضت إلى أكثرية نيابية من واحدٍ وسبعين نائباً، وسُمي زعيم الأكثرية الرئيس سعد الحريري لتأليف الحكومة، بقيت العصي توضَع في الدواليب على مدى ستة أشهر، كان هذا هو الواقع القائم على رغم الوقائع التالية:

إستقرار الدول العربية بحيث لم يكن هناك شيء إسمه بلبلة أو انتفاضة أو ثورة.

العلاقة كانت جيدة بين السعودية وسوريا، وكانت قنوات الإتصال مفتوحة على كل المستويات.

الوضع الداخلي كان مستقراً حيث الأكثرية أكثرية والأقلية أقلية.

مع ذلك وعلى رغم كل هذه المعطيات المسهِّلة إذا صحَّ التعبير، فإن تشكيل الحكومة استلزم ستة أشهر بسبب الشروط المسبقة والشروط المضادة، وحين وُلدت الحكومة كانت عوامل تعطيلها موجودة فيها، فهي لم تستطع أن تحكم لأنها خُيِّرت بين الرضوخ لمشيئة قوى الثامن من آذار وبين الإسقاط، فكان الإسقاط.


اليوم الأوضاع مختلفة كلياً:

منطقة الشرق الأوسط يضربها زلزال سياسي وعسكري لم تشهد مثيلاً له في الماضي البعيد ولا في الماضي القريب:

أنظمة تتهاوى في أيام بعدما حكمت لعقود من الزمن.

العلاقة السعودية - السورية شبه مقطوعة، ولم يُسجَّل أي اتصال بين القيادتين منذ عودة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله من رحلة العلاج والنقاهة.

الوضع الداخلي ليس مريحاً، فرئيس الحكومة المكلَّف لم يأتِ من أكثرية نيابية حقيقية منسجمة فرزتها الإنتخابات النيابية.

فإذا كانت الأجواء المريحة في السابق قد جعلت الحكومة تستلزم ستة أشهر لتتشكَّل، فكم سيستلزم من وقت لتتشكَّل الحكومة في هذه الأجواء غير المريحة؟

يُدرِك الرئيس المكلَّف أنه أمام جملة معضلات:

المعضلة الأولى انه لم يستطع تلبية ما طالبته به قوى 14 آذار، وهذا ما جعلها تقرر أن تبقى خارج الحكومة.

المعضلة الثانية انه لم يستطع تجاوز قوى 14 آذار في عملية التشكيل لأنه يعرف مخاطر حكومة اللون الواحد، وقد وردته نصائح كثيرة وتحذيرات جمة من أن حكومة اللون الواحد هي خطرٌ على لبنان، ويُفترض بالرئيس المكلَّف أن يكون أخذ بهذه النصائح وهذه التحذيرات.


ماذا تعني كل خيوط هذه اللوحة؟
قد تعمد القوى التي دعمت رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي إلى دفعه إلى الإسراع في تشكيل حكومة اللون الواحد، لكن الأوضاع المتسارعة في المنطقة قد تقوده إلى التريث، وبين حث الحلفاء والتريث الشخصي قد يبقى الوضع عالقاً لاستكشاف حقيقة الوضع في المنطقة وكيف ستستقر عليه الأمور.