مع اندلاع الانتقاضات الشعبية العارمة في مختلف انحاء الوطن العربي بدءا من تونس ثم مصر واليمن والبحرين وليبيا فان المتتبع لموقف الغرب سواء قبيل هذه الانتفاضات او خلالها او بعدها حتى الان يلاحظ بوضوح ازدواجية وانتقائية الغرب سواء اوروبا او اميركا ومواقفهما من الانظمة الفاسدة التي قمعت شعوبها على مدى عقود ونهبت ثرواتها او من الحركات الشعبية والجماهيرية التي منها من ناضل على مدى سنوات طويلة ومنها ما ظهر حديثا بفعل تراكم الظروف التي ولدت هذه الانتفاضات والثورات .
فالغرب الذي يتشدق اليوم بدعمه لانتفاضات الشعوب العربية وحرصه على حقوق الانسان ووقوفه ضد الفساد والى جانب الاصلاح والتغيير وبناء انظمة ديمقراطية حديثه هو نفس الغرب الذي ساهم بشكل مباشر في تنصيب انظمة قمعية فاسدة ومدها بكل وسائل الدعم والحماية او غض الطرف عنها او ساهم في قمع الحركات الاحتجاجية في العديد من الدول قبل سنوات وهو نفس الغرب الذي اقام علاقات امنية وثيقة مع الانظمة الفاسدة ومدها بالسلاح وخبرات القمع والمعلومات لملاحقة كل من يجرؤ على الوقوف في وجه هذه الانظمة .
وهو نفس الغرب الذي غض الطرف ولا زال عن الانتهاكات الفظيعة لحقوق الانسان التي ترتكبها اسرائيل في الاراضي المحتلة ، وهو الذي دعم ولا زال يدعم الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية والعربية المحتلة ، وهو نفس الغرب الذي لم يتجرأ على ادانة اسرائيل او وقفها عند حدها عندما ارتكبت سلسلة اعتداءاتها ضد الشعب الفلسطيني وقيادته سواء عندما اجتاحت اسرائيل مناطق السلطة الوطنية ثم حاصرت الرئيس الراحل ياسر عرفات او عندما ارتكبت عدوانها على قطاع غزة او عندما شنت عدوانها على لبنان وارتكبت مجزرة قانا او عندما راى الغرب بام عينيه اكثر من الف شهيد من النساء والاطفال والمدنيين العزل يسقطون بنيران الدبابات الاسرائيلية وقذائف الطائرات الحربية اف١٦ والبوارج الحربية وعندما راى الاف الجرحى والدمار الهائل الذي خلفته الآلة الحربية الاسرائيلية.
وهو نفس الغرب الذي عطل اكثر من مرة في مجلس الامن اي قرار يدين جرائم اسرائيل واستيطانها وما الفيتيو الاميركي الاخير الا مثال واحد على ذلك.
فلماذا سكت الغرب ولا زال ساكتا عن المأساة المتواصلة للشعب الفلسطيني وعن الانتهاكات اليومية التي تقوم بها اسرائيل رغم ان عدد الضحايا فاق ما سقط في مصر او تونس او ليبيا ورغم ان الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية غير مشروع وان ما يرتكبه هذا الاحتلال يصل الى مستوى جرائم الحرب في القانون الدولي.
ولماذا سكت الغرب عقودا طويلة على الانظمة التي رسخ حكمها وامدها بكل مقومات الحياة في مواجهة شعوبها واقام مختلف انواع العلاقات معها وطالما نهب ثروات شعوبها بالتعاون مع هذه الانظمة الفاسدة سواء كانت هذه الثروات نفطا او غيره من الموارد الطبيعية؟
ثم الم يكن الغرب نفسه هو من زود هذه الانظمة بالاسلحة التي لم تستخدم يوما لصالح القضايا العربية بل استخدمت كما راينا في قمع شعوبها ؟ او لم يكن هذا الغرب نفسه هو الذي حول اسواق بلدان هذه الانظمة الى اسواق مزدهرة لمنتجاته واسلحته بالتعاون مع هذه الانظمة؟
واليوم عندما تتحرك بعض القوى الغربية وهي ترى هذا الغضب الجماهيري العارم وهذا الانتصار الجماهيري الساحق ضد القمع والفساد والديكتاتورية ، عندما تتحرك مطالبه بانزال العقوبات بهذا النظام او ذاك ، اليس من الاجدر بها ان تتحرك ايضا لنصرة الشعب الفلسطيني لانهاء الاحتلال وفرض العقوبات على الاحتلال الذي له سجل حافل من الانتهاكات الفظيعة لحقوق الانسان والانتهاكات الفظة للشرعية الدولية والذي يصر على احتلال اراضي الغير بالقوة وبناء المستوطنات فيها ومصادرة حريات وحقوق شعب باكمله؟
حان الوقت كي يثبت هذا الغرب مصداقيته امام الجماهير العربية بمواقف جادة لصالح القضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية لا ان ينتظر مثل هذه الانتفاضات حتى يركب الموجة ويدعي الحرص على حقوق الانسان وعلى الحريات والاصلاح مع تأكيدنا على اهمية دعم الشعوب العربية وانتفاضاتها في مواجهة الانظمة الفاسدة الا ان الغرب نفسه وبحكم مسؤوليته الخاصة تجاه القضية الفلسطينية ومأساة الشعب الفلسطيني عليه ان يتخلص من ازدواجيته المقيتة تلك ويقف بحق الى جانب الشعوب وحريتها.