الموقف الإستراتيجي الذي اتخذته قوى 14 آذار بعدم المشاركة في الحكومة والإنتقال إلى المعارضة الديمقراطية السلمية، له أسبابه ودلالاته، وما بعده غير ما قبله.
الدلالة الأولى ان قوى 14 آذار أثبتت مرة جديدة انها متماسكة، وان محاولات تفكيكها وتصديعها وخرقها باءت بالفشل.
الدلالة الثانية ان قوى 14 آذار أخذت كل وقتها لتدرس الموقف الملائم الذي يجب أن تتخذه لئلا يُقال إنها تسرَّعت، شهر من المفاوضات على بندين لا ثالث لهما:
مصير المحكمة ومصير السلاح في الداخل الموجَّه إلى صدور اللبنانيين.
في كل مراحل المفاوضات، وعلى مدى شهر، لم تنتزع قوى 14 آذار من الرئيس المكلَّف أي تعهد أو التزام يُثبت تمسك حكومته العتيدة بالمحكمة الدولية، فقوى 14 آذار تدرك جيداً أن إسقاط حكومة الرئيس الحريري سببه تمسكها بالمحكمة، فكيف تقوم حكومة جديدة إذا كانت ستتمسك بالمحكمة أيضاً؟
وإذا لم تتعهد شطب المحكمة؟
ومِن موضوع المحكمة إلى موضوع الأهم السلاح:
ادرك سعد الحريري وقوى 14 آذار أن السلاح في الداخل له وظيفة واحدة، بالتأكيد ليست حماية المقاومة، بل إملاء الشروط السياسية بالقوة العسكرية، حدثَ هذا الأمر مرتين وأدى إلى تبدلات دراماتيكية في الوضع السياسي اللبناني:
المرة الأولى في 7 أيار حين أدت غزوة بيروت إلى إلغاء مفاعيل الإنتخابات النيابية عام 2005، والمرة الثانية مطلع هذه السنة، حين أدت بروفا القمصان السود إلى إرغام البعض على تبديل مواقفهم ومنهم النائب وليد جنبلاط، فتبدَّل ميزان قوى الأكثرية وتمت تسمية الرئيس ميقاتي لتشكيل الحكومة.
لو لم يكن هناك سلاح في الداخل، ولو لم يُستعمَل هذا السلاح، لكانت المعادلة السياسية هي ذاتها منذ ما قبل 7 أيار 2008، لكن استخدام السلاح جعله وصياً على المسار السياسي، بمعنى أن كل ما لا يناسب أصحاب السلاح يجعلهم يستخدمونه ليتحوَّل الوضع السياسي ملائماً لهم.
هذا الإستخدام للسلاح والذي يحرفه عن مساره الحقيقي المتفق لبنانياً عليه، هو الذي جعل سعد الحريري الزعيم المعارض يطالب بإسقاط وصاية السلاح عن الوضع الداخلي، هذا المطلب راجعت فيه قوى 14 آذار الرئيس المكلَّف أكثر من مرة على مدى شهر لكنها لم تصل معه إلى أي نتيجة فقررت تحقيق هذا المطلب من خلال المعارضة الديمقراطية السلمية البنّاءة تحت عنوان لا لوصاية السلاح.
ستتم المراقبة الفعلية لِما ستُقدِم عليه الحكومة العتيدة لكن المعارضة الجديدة سلكت طريقها، ولا مهادنة بعد اليوم في القضايا المبدئية ولا مسايرة عليها.